الصفحة 13 من 188

وهذا أولًا، وأما ثانيًا: فأقول: لو أخّر مسلم الحج مع استطاعته وعدم خوفه من الهلاك ومات قبل الأداء، فهل يأثم؟

إن كان الجواب: نعم. فأقول له: كيف تجيز له التأخير وتوقع عليه الإثم بسبب الجواز؟؟ وهذا تناقض؛ والشافعية تقول:"ومتى أخّر فمات تبين فسقه بموته من آخر سني الإمكان إلى الموت، فيردّ ما شهد به وينقض ما حكم به" (تحفة المنهاج: ج 4/ ص 5) .

وإن كان الجواب: إنه لا يأثم. فأقول: إذن الحج ليس فرضًا؛ لأن كل شخص لا يغلب على ظنه الموت جاز له تأخير الحج ولا إثم عليه إن مات دون الأداء، وهذا يعني أن الحج لا يجب على تسعين في المئة من المسلمين؛ الذين لا يخافون على حياتهم.

ولا يصح قياس الحج على جواز تأخير الصلاة؛ لأنه قياس مع الفارق؛ فإن فرض الصلاة متكرر يوميًا، فيُتسامح فيه ما لا يتسامح في الحج، الذي هو عبادة العمر.

وقد قال القرطبي:"قوله تعالى: (وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت) يدل على وجوب تعجيل أداء الزكاة ولا يجوز تأخيرها أصلًا وكذلك سائر العبادات إذا تعين" (تفسير القرطبي ج 18/ص 130)

وقد قال الشوكاني:"وقد استدل المصنف بما ذكره في الباب على أن الحج واجب على الفور ووجهه من حديث (من كسر أو عرج) قوله (وعليه الحج من قابل) . ولو كان على التراخي لم يعين العام القابل" (نيل الأوطار ج 5 / ص 9) . وهو دليل واضح على الوجوب الفوري لأداء الحج.

فالظاهر وجوب الحج على الفور، وهذا مذهب جماهير العلماء، وهو أرجح وأحوط. انظر (الكافي في فقه ابن حنبل ج 1/ص 381) ، (التلقين ج 1/ص 202) (الدر المختار ج 2/ص 457) .

ولا يجب الحج إلا مرة واحدة ما لم يوجبه المسلم على نفسه بالنذر؛ للحديث الذي يرويه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت