الصفحة 44 من 188

فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا إسرائيل أن يتكلم وأن يستظل وأن يقعد وأن يتم صومه؛ لأن المشروع هو الصوم، وأما الأمور الأخرى فافتعالها ليس مشروعًا؛ لكن إذا صام رجل فصادف في صومه يومًا حارًا، فهذا يؤجر على مشقته؛ لأنه لم يفتعلها وإنما ابتلي بها.

وكذا نهيه صلى الله عليه وسلم من نذر الحج ماشيًا وهو يجد ما يركب عليه؛ لأن هذا الفعل بهذه الصورة ليس مشروعًا.

ولا يقال: نهاه لأنه عاجز عن المشي ولو كان قادرًا لأقرّه؛ لأن هذا المعنى لا يفهم من الحديث؛ لأن أبا إسرائيل لم يشتك، وكذا الرجل الذي نذر الحج مشيًا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبين له أن المشي مع وجود الراحلة مشروع في حالة القدرة وغير مشروع في حالة العجز، وإنما قال: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسِهُ لَغَنِيٌّ.

والعبادة لا توصف بتعذيب النفس، ولو كان تعذيب النفس مشروعًا مع القدرة وغير مشروع مع العجز، لبين له ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبين له أن الله أعطاه رخصة. ومن أراد ادّعاء مشروعية هذا الفعل فليأت بدليل آخر.

قال ابن تيمية:

"ومما ينبغي أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا، ولكن الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله". (كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه ج 25/ص 282 - 281) .

وأما إحرامه صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فلكونه أيسر؛ لأنها كانت في طريق عودته من الطائف إلى مكة، وأما أمر عائشة بالإحرام من التنعيم فلأن التنعيم هو أقرب الحل إلى مكة، وأما الحديبية فلم يحرم منها النبي - صلى الله عليه وسلم -.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت