قلت: الصغائر في مكة والمدينة تعتبر من الكبائر. فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين َ (البخاري:1734) .
وقَالَ عَاصِمٌ قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ قَالَ نَعَمْ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي هَذِهِ شَدِيدَةٌ مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا قَالَ فَقَالَ ابْنُ أَنَسٍ أَوْ آوَى مُحْدِثًا (مسلم: 2429) .
قال النووي:"قوله: (من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) قال القاضي: معناه من أتى فيها إثمًا أو آوى من أتاه وضمه إليه وحماه"
وقوله: (عليه لعنة الله. . . إلى آخره) هذا وعيد شديد لمن ارتكب هذا , قال القاضي: واستدلوا بهذا على أن ذلك من الكبائر ; لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة , ومعناه: أن الله تعالى يلعنه , وكذا يلعنه الملائكة والناس أجمعون , وهذا مبالغة في إبعاده عن رحمة الله تعالى , فإن اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد , قالوا: والمراد باللعن هنا العذاب الذي يستحقه على ذنبه , والطرد عن الجنة أول الأمر , وليست هي كلعنة الكفار الذين يبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد. والله أعلم.
قوله: (لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا) , قال القاضي: قال المازري: اختلفوا في تفسيرهما , فقيل: الصرف: الفريضة , والعدل: النافلة , وقال الحسن البصري: الصرف: النافلة , والعدل: الفريضة , عكس قول الجمهور""
قال ابن حجر: قوله: (لا يقطع شجرها) في رواية يزيد بن هارون"لا يختلي خلاها"وفي حديث جابر عند مسلم"لا يقطع عضاهها ولا يصاد صيدها"ونحوه عنده عن سعد. قوله: (من أحدث فيها حدثًا) زاد شعبة وحماد بن سلمة عن عاصم عند أبي عوانة"أو آوى محدثًا"وهذه الزيادة صحيحة إلا أن عاصمًا لم يسمعها من أنس كما سيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام قوله: (فعليه لعنة الله) فيه جواز لعن أهل المعاصي والفساد , لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين. وفيه أن المحدث والمؤوي للمحدث في الإثم سواء. والمراد بالحدث والمحدث الظلم والظالم على ما قيل , أو ما هو أعم من ذلك. قال عياض: واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر ,