فهرس الكتاب
"وبالجملة فهذا الحديث - أعني حديث: (( أفطر الحاجم ) )- روي من طرقٍ ... كثيرةٍ، وبأسانيد مختلفةٍ كثيرةِ الاضطراب، وهي إلى الضعف أقرب منه إلى الصحة، مع عدم السلامة مِن معارضٍ أصحَّ منه، أو ناسخٍ له. والإمام أحمد الذي يذهب إليه، ... ويقول به، لم يلتزم صحته، وإنما الذي نُقِل عنه، كما رواه ابن عدي في الكامل ... بإسناده إلى أحمد بن حنبل أنه قال:"أحاديث (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )يشدُّ بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها"؛ فلو كان عنده منها شيءٌ صحيحٌ لوقف عنده، وقوله: ..."أصح ما في هذا الباب حديث رافع"- لا يقتضي صحته، بل معناه: أنه أقلُّ ضعفًا من غيره" [1] .
الثاني: مسلك التأويل لحديث: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) ):
-ذهب جماهير أهل العلم ممن لا يرى فساد الصوم بالحجامة، إلى تأويل هذا الحديث، وذكروا جملة تأويلات، أمثلُها - في نظر الباحث - وأقربها لمعاني النصوص:
-ما نقله الإمام الخطابي - رحمه الله تعالى - فقال:
"وتأوَّل بعضُهم الحديث، فقال:"معنى: (( أفطر الحاجم والمحجوم ) )أي: تعرَّضا للإفطار، أما المحجوم فللضعف الذي يلحقه من ذلك، فيؤديه إلى أن يعجز عن الصوم، وأما الحاجم فلأنه لا يؤمن أن يصل إلى جوفه من طعم الدم، أو مِن بعض جراحه إذا ضمَّ شفتيه على قصب الملازم، وهذا كما يقال للرجل يتعرَّض للمهالك: قد هلك فلان، وإن كان باقيًا سالمًا، وإنما يراد به أنه قد أشرف على الهلاك، وكقوله - صلى الله عليه وسلم: (( مَن جُعِل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين ) )يريد به أنه قد تعرَّض للذبح" [2] ."
وقد عبَّر عن ذلك الإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى - بقوله مرجِّحًا:
"نعم! حديث ابن أبي ليلى وأنسٍ وأبي سعيدٍ يدلُّ على أن الحجامة"
(1) نصب الراية: 2/ 482.
(2) معالم السنن: 3/ 243.