-تطبيق الجمهور لهذا المناط على واقع الحروب في زمنهم:
لقد طبق جمهور الفقهاء القائلون بالاتجاه الثاني في استنباط مناط الحكم بالحماية لأصناف من العدو على واقع الحروب في زمنهم، فحكموا بالحماية لبعض الأصناف؛ لتحقق المناط فيهم، واستبعدوا أصنافًا أخرى من حكم الحماية لعدم تحقق المناط فيهم، فلا يجري قياسهم على الأصناف المنصوص على عدم قتلها.
وسنذكر هنا أبرز الملحوظات التي تبدو للباحث في طريقة تحقيقهم للمناط المذكور على واقع الحروب في زمنهم:
1.نجد أن الجمهور اتفقوا على حكم الحماية لبعض الأصناف من العدو، لتحقق المناط فيهم، واتفقوا على عدم الحكم بالحماية لأصناف أخرى، واختلفوا في بعض الأصناف، وسبب الخلاف هو تفاوت وجهات النظر في تحقق انعدام المقاتلة الممانعة وانعدام النفع والضرر في الحرب؛ إذا كان ذلك بحكم العادة، ووقع اختيارًا من صاحبه، كما مر الخلاف في الراهب المخالط، والفلاح، والأجير والصانع والمحترف، فأدخلهم بعض الفقهاء في حكم الحماية، بسبب انعدام القتال منهم، وانكفاف شرهم في القتال عن المسلمين، وأخرجهم فقهاء آخرون من حكم الحماية نظرًا لأن صفة انعدام المقاتلة منهم مؤقتة، ولهم بنية صالحة للقتال، ومن الممكن أن يتخولوا إلى مقاتلين بمجرد حمل السلاح، فيكونون بمنزلة الردء للمقاتلين من قومهم.
2.نجد أن الفقهاء الذين اتجهوا لهذا الضابط في الحماية طبقوه على واقع الحروب في زمنهم، ومعلوم أن الحروب القديمة كانت تعتمد على أسلحة حفيفة، سهلة الاستعمال، كالسيف والرمح والسهم، والكر والفر على الخيول ونحوها، مما يجعل للقوة البدنية، وصلاحية البينة لحمل تلك الأسلحة دور فاعل في ميزان القوى بين الجيشين المتحاربين، فالرجل البالغ صحيح البنية يعد قوة مؤثرة في الحرب، وقد عده الفقهاء من جملة المقاتلة الذين يؤثرون في الحرب، ولذلك يقول الشافعي (( ت: 204 هـ) عن المقاتلة:"وهم كل من قد احتلم، أو قد استكمل خمس عشرة من الرجال" [1] .
ويقول السرخسي (( ت: 483 هـ) :"ثم المقاتلة كل من بلغ مبلغ الرجال ... لأن المقاتلة من له بنية صالحة للقتال إذا أراد القتال" [2] .
(1) الأم (4/ 162) .
(2) شرح السير الكبير (5/ 1807) .