وهو المناط، ولهذا لم ينكر - صلى الله عليه وسلم - على قاتل المرأة التي أرادت قتله [1] ، ويقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا، أو أعمى، أو نحوهما، ممن لا يرجى نفعه ولا ضره على الدوام" [2] ."
ودليل الجمهور الذين اتجهوا إلى استنباط مناط حكم الحماية وعلته بهذه الأوصاف هو مسلك التنبيه من مسالك العلة [3] .
ووجهه هنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في شأن المرأة:"ما كانت هذه لتقاتل" [4] .
وفي هذا تنبيه إلى علة منع قتلها وهي كونها لا تقاتل، كما يدل على أن علة قتل أهل الكفر هو المقاتلة [5] .
وهذا يرد على من جعل علة النهي عن قتل المرأة والصبي علة قاصرة، وهي كونهم نساء أو صبيانًا، إذ لو كان الأمر كذلك لكان قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"ما كانت هذه لتقاتل". خاليًا عن الإفادة.
وبهذا يترجح أن الاتجاه الأصوب في استنباط علة الحماية من القتل هو الاتجاه الثاني وهو كونهم لا يقاتلون، ولا يخشى منهم ضرر على المسلمين أو نفع للمقاتلين من قومهم في الحرب كما أن هذا المسلك في تحديد مناط الحماية هو الموافق لدلالة الكتاب العزيز كما قال تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [6] . وقد تقدم تفسير ابن عباس (أن حكم الآية باق في المرأة والصبي والشيخ الكبير ومن لا يقاتل، وبذلك تكون هذه الآية مخصصة لآية سورة التوبة: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} .
(1) يعني ما أخرجه أحمد في المسند (4/ 161) ، والطبراني في المعجم الكبير (11/ 388) ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة مقتولة، فقال:"من قتل هذه"؟ فقال رجل:"أنا يا رسول الله"، قال:"ولم"، قال:"نازعتني سيفي"، فسكت قال في مجمع الزوائد (5/ 316) :"وفي إسنادهما الحجاج بن أرطاة وهو مدلس".
(2) نيل الأوطار (7/ 292) .
(3) تقدم تخريجه ص 21.
(4) مسالك العلة هي: الطرق الدالة على كون الوصف المعين علة للحكم، ومسلك الإيماء والتنبيه هو: أن يقترن بالحكم وصف لو لم يكن هو أو نظيره للتعليل كان بعيدًا.
انظر: الأصفهاني، شرح مختصر، ابن الحاجب (3/ 86) ، الزركشي، محمد بن عبدالله، البحر المحيط في أصول الفقه (7/ 234، 251) المرداوي، التحيير شرح التحرير (7/ 331، 3324) .
(5) انظر: ابن رشد، البيان والتحصيل (2/ 558) ، ابن قدامة المغني (13/ 178) .
(6) سورة البقرة آية رقم 190.