مصالح الخلق الدينية والدنيوية تقوم على تحقيق خمس ضروريات، ومقاصد كلية، هي الدين والنفس والنسل والعقل والمال، ولذا راعت الشرائع الربانية هذه الكليات الخمس، وصانتها، وحفظتها [1] .
وشريعة الإسلام وهي الشريعة الخاتمة جاءت بما يحقق هذه الكليات الخمس، وجاءت أحكامها بما يكفل للبشرية حياة كريمة، تقوم على الصدق والعدل، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [2] ، وجاءت نصوصها بالحق البين فيما يتعلق بالمصالح الكبرى للخلق.
ومما عنيت الشريعة ببيانه ما يتعلق بحفظ النفوس، وصيانتها؛ لتتمكن هذه النفوس من تحمل أعباء التكليف والقيام بما خلقها الله عز وجل له، فقررت الشريعة الإسلامية أن الأصل في النفوس هو الحرمة والصيانة، فلا يجوز الاعتداء عليها، ولا إزهاقها إلا بالحق، وهذا الحق هو ما تبينه الشريعة أيضًا في مواضع أخرى، فتزول حينئذ لهذا العارض من الحق الحرمة، كما قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} إلى أن يقول: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [3] .
وقال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) } " [4] ."
وأحوال البشر مع بعضهم لا تعدو حالين اثنتين: حال السلم، وحال الحرب، وقد بينت الشريعة حكم النفوس البشرية في هاتين الحالين بيانا شافيًا، يقوم على قاعدة عظيمة هي: أن الأصل في النفوس هو الحفظ والحماية، وتحريم الاعتداء والإتلاف، وأن ما أبيح منها إنما هو لعارض اقتضى خلاف هذا الأصل.
وسنبين فيما يلي مراعاة الشريعة في أحكامها لحفظ النفوس وحمايتها في السلم والحرب:
أولًا: حفظ الشريعة للنفوس حمايتها في حال السلم.
(1) انظر: الغزالي، محمد بن محمد، المستصفى (174) ؛ الرازي، محمد بن عمر، المحصول (5/ 60) ؛ الآمدي، علي بن أبي علي، الإحكام في أصول الأحكام (3/ 274) ؛ الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الموافقات (2/ 20) ؛ الشوكاني، محمد بن علي، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (2/ 130) .
(2) سورة الأنعام آية 115.
(3) سورة الأنعام آية 151.
(4) سورة الإسراء آية 33.