شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت جالسا، فلم يعب النبي - صلى الله عليه وسلم - قتله [1] .
ووجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر قتل دريد بن الصمة وهو شيخ كبير عاجز من القتال، فدل ذلك على أن المبيح للقتل في الحرب هو الكفر، وليس القتال [2] .
وأجيب عن هذا الاستدلال: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر قتل دريد مع عجزه وكبره لأنه كان ذا رأي، وقد خرج به قومه من هوازن يتيمنون برأيه [3] ، ومن كان كذلك فهو في معنى المقاتل، بل إن الإعانة بالرأي قد تكون أبلغ وأنكى من الإعانة باليد [4] .
الترجيح:
مما تقدم يظهر - والله أعلم - أن الراجح من القولين في المبيح للقتل أثناء الحرب مع غير المسلمين هو القول الأول وهو أن المبيح هو الممانعة والمقاتلة والمحاربة، وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، ولأن فيه جمعا بين نصوص الشرع، ولضعف ما استدل به أصحاب القول الثاني حيث لم تسلم أدلتهم من اعتراضات.
المبحث الأول
أصناف المحميين من القتل أثناء الحرب في الفقه الإسلامي
ميَّز الفقهاء (بين المقاتلين من العدو الذي يشرع قتلهم، واستهدافهم بالأعمال الحربية، وبين غير المقاتلين الذين تركوا المشاركة في القتال، إما عجزًا، أو اختيارًا، فصاروا لا يُعدون مصدر خطر أو أذى للجيش المسلم، وأصبح المسلمون المقاتلون في مأمن من ضررهم، ولذلك اختلف حكمهم عن المقاتلين، فجاءت النصوص الشرعية ببيان حرمة التعرض لهم بالقتل أو استهدافهم بالرمي، وقد تعددت مواقف الفقهاء
(1) خبر قتل دريد بن الصمة، أخرجه البخاري في الصحيح، كتاب المغازي، باب غزاة أوطاس، (4323) ، (5/ 155) ، ومسلم في الصحيح، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي موسى وأبي عامر، (2498) ، (4/ 1943) .
(2) أنظر: الشافعي، الأم (4/ 303) ، ابن حزم، المحلي (5/ 351) .
(3) انظر: في خروج هوازن بدريد بن الصمة للتيمن برأيه، وما أشار عليه به: الواقدي، محم بن عمر، مغازي الواقدي (3/ 886) ؛ ابن هشام، عبدالملك بن هشام، السيرة النبوية (2/ 437) ، ابن كثير، إسماعيل بن عمر القرشي، البداية والنهاية (4/ 369) .
(4) انظر: الطحاوي، شرح معاني الآثار، (3/ 224) ، ابن قدامه، المغني (13/ 179) .