ولا ينتقل الرجل من صنف المقاتلة إلى غير المقاتلة إلا بسبب يغلب على الظن أنه يترك لأجله القتال، ويعتزله؛ إما عجرًا كالزمنى، أو تعبدًا كالرهبان، أو عادة كالعسفاء والفلاحين والصناع الذين غلب على حالهم عدم اشتغالهم بالحروب، فلاهم من أهلها، ولا هي من همتهم، ولذلك نجد أن الفقهاء لم يعدو المريض مرضًا يرجى برؤه، ولا المغمي عليه من جملة المحميين، لأن العارض الذي أصابهم على شرف الزوال، ويخاف لذلك أن يصيروا إلى حال يقاتلون فيها [1] .
المبحث الثالث
حماية المدنيين في الحروب الحديثة في الفقه الإسلامي
المطلب الأول: المراد بالمدنيين في اللغة والاصطلاح.
أولًا: معنى المدنيين في اللغة:
المدنيُّون جمع مَدَنِيّ، وهو الشخص المنسوب إلى المدنية، وأصلها: مَدَنَ في المكان، أي أقام، ومنه سمي المصر الجامع"مدنية"على وزن فَعِيْلَة، والجمع مدن، ومدائن، والنسبة إليها مَدَنِيّ [2] .
ثانيًا: معنى المدنيين في الاصطلاح:
إطلاق لفظ"مدني"على فئة من الناس تقابل الجند والمقاتلين، هو اصطلاح حديث، ولذا لا نجده في كتب الفقهاء المتقدمين، حيث لا يوجد هذا التمايز الحديث بين أفراد الجيوش ومنسوبي القوات المسلحة، وبين غيرهم من الناس، وإنما كان التمييز بين مقاتل صالح للقتال، وغير مقاتل إما عجزًا، أو اختيارًا وعادة لانشغاله بعبادة أو حرفة، فيعبر الفقهاء عن
(1) انظر: السرخسي، شرح السير الكبير (5/ 1808) ، ابن قدامة، المغني (13/ 180) ، ابن القيم، أحكام أهل الذمة (1/ 161) .
(2) انظر: الأزهري، تهذيب اللغة (14/ 103) ؛ الجوهري، الصحاح (6/ 3201) ؛ ابن منظور، لسان العرب (13/ 402) .