الصناع وأصحاب الحرف شامل لقطاعات كثيرة من المجتمعات المعاصرة، فهو يشمل الموظفين الحكوميين، وموظفي القطاع الخاص، الذين تشغلهم وظائفهم وأعمالهم عن القتال والحروب. وكذلك صنف الأجراء، فهو شامل لكثير من موظفي شركات الخدمات التي تتعاقد معها الجيوش.
وصنف (السوقه) الذي تحدث عنه فقهاء الشافعية شامل للطبقات الوسطى في المجتمعات المعاصرة من الذين لا تتجاوز همتهم في الغالب طلب المعاش والقوت.
أما إذا اعتبرنا مصطلح (المدنيين) ذا لأدلة حادثة في الحروب المعاصرة، وأردنا بحث حكم المدنيين، من حيث الحماية أو عدمها بشكل عام، فلابد حينئذ من النظر في تحقق مناط حكم الحماية، وانطباق ضابطها عليهم، وهذا يستلزم أمرين:
الأول: تصور واقع الحروب الحديثة وموقع المدنيين فيها.
الثاني: تطبيق مناط الحكم بالحماية على المدنيين.
فالحرب في الواقع المعاصر تقوم بها الجيوش الحديثة المكونة من أفراد القوات المسلحة النظامية، ويرافق الجيش رجال ونساء للقيام بأعمال غير قتالية، كالتمريض والإسعاف وإعداد الطعام والشراب، وقد تتعاقد قيادات الجيوش مع شركات من القطاع الخاص لتموين الجيش بالمؤن الأساسية من طعام وشراب ودواء.
وفي حال الإغارة والاجتياح أو القصف قد يصادف المغيرون أو الغزاة مزارع بفلاحيها، ومصانع بأربابها وعمالها، ومستشفيات بأطبائها ومرضاها، ومدارس بمعلميها وطلبتها، ومنازل في سكانها من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، وأصحاء ومرضى [1] .
والحرب والقتال هي مهمة أفراد القوات المسلحة النظامية، والاحتياطية، المدربة سلفًا، والمعدة إعدادًا عسكريًا يؤهلها لهذه المهمة، وأما من سواهم فمدنيون ليسوا من أهل القتال، ولم يتهيأوا له، ولو أرادوا القتال لم يحسنوه؛ لعدم معرفتهم استعمال الأسلحة الحديثة بمدافعها وراجماتها ومدرعاتها، فهم في حكم العاجزين عن الحرب، وهذا يجعلهم أكثر ضحايا الحروب الحديثة تأثرًا من أضرار الحرب.
وبتطبيق مناط الحكم بالحماية من القتل على المدنيين بهذا المعنى، في الحروب الحديثة بهذا التصور يتخرج فيهم قولان في الفقه الإسلامي، بناء على اختلاف الفقهاء في مناط الحكم بالحماية من القتل أو قصد القتل أثناء الحرب، وهذان القولان هما:
القول الأول: أنه لا يحكم بالحماية من القتل من المدنيين بالاصطلاح المعاصر إلا النساء
(1) انظر: هيكل، الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (1243)