الصفحة 53 من 78

والصبيان والرسل، أما غيرهم فيجوز فيهم القتل أو الاستبقاء.

وهذا القول بناء على أن مناط الحماية هو: ورود النص بمنع قتل الشخص أثناء الحرب، مع اعتزاله القتال، ولم يصح النص عند أصحاب هذا الرأي إلا في النساء والصبيان والرسل [1] .

القول الثاني: أنه يحكم بحماية المدنيين بهذا المعنى من القتل وقصد القتل؛ ما لم يشتركوا في الحرب أو يعينيوا القوات المقاتلة.

وهذا القول بناء على أن مناط الحماية هو: انعدام الممانعة والمقاتلة، وامتناع النفع والضرر في الحرب بشكل دائم إما طبيعة أو عادة [2] .

وهذا المناط متحقق في المدنيين بالمعنى المعاصر، فقد انعدمت منهم الممانعة والمقاتلة، فليسوا من أهل القتال ولا متأهلين له، فانتفى منهم الضرر على المسلمين، والنفع للمقاتلين من قومهم، وذلك بمقتضى الطبيعة القتالية في الحروب المعاصرة التي تحتاج إلى تدريب وإعداد لا يوجد في المدنيين، وبمقتضى العادة والعرف الغالب حيث أن هؤلاء المدنيين لا يقاتلون، ويعتزلون الحرب، إما في بيوتهم، أو ملاجئهم، أو ينزحون عن مواطن النزاع والقتال [3] .

ولا شك أن انعدام النفع والضرر في القتال، وانعدام المقاتلة من الطبيب والممرض، أو الطالب والمعلم، أو الموظف الحكومي في الحروب الحديثة أبلغ من انعدام ذلك من الراهب والأجير والعسيف في الحروب القديمة، وذلك لسهولة تحول الراهب والأجير والعسيف إلى مقاتلين في الحروب القديمة لو أرادوا ذلك، نظرًا لبدائية الأسلحة المستخدمة وسهولة استعمالها، وصعوبة ذلك في الأسلحة الحديثة، وافتقار مستخدمها للتدريب، والمران وشيء من التخصص.

الترجيح: تقدم أن الراجح في مناط الحماية: هو انعدام القتال والممانعة وامتناع النفع والضرر في القتال، وعليه فالراجح - والله أعلم - هو القول بحماية المدنيين في الحروب الحديثة ما لم يشتركوا في الحرب، أو يقاتلوا حقيقة أو معنى.

وهذه الحماية شاملة للمدنيين بفئتيهم:

الفئة الأولى: المدنيون المعتزلون للحرب في مساكنهم ومدنهم وقراهم.

(1) انظر: ص 44 من هذا البحث.

(2) انظر: ص 45 من هذا البحث.

(3) ويؤيد ذلك العرف الدولي، حيث قررت الاتفاقيات الدولية ضرورة التمييز في النزاعات الدولية بين السكان المدنيين، والمقاتلين، وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ومن ثم توجه العمليات الحربية ضد الأهداف العسكرية دون غيرها. انظر: البلتاجي، سامح جابر، حماية المدنيين في زمن النزاعات المسلحة (100) حجازي، رنا أحمد، القانون الدولي الإنساني ودوره في حماية ضحايا النزاعات المسلحة (37) بسج، نوال أحمد، القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين في زمن النزاعات المسلحة (57) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت