الصفحة 22 من 64

الحمد لله ذي الطول والآلاء، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم الرسل والأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأئمة الأتقياء، ومن تبعهم بإحسان واهتداء.

أما بعد: فإن تحقيق الكمال مبتغى أولى المطالب، ومطمح كل سالك، وإن كمال الشيء بحصول جميع صفاته الخاصة به، وصدور آثاره المقصودة منه [1] ، وبقدر نقصانه من ذلك يفوته الكمال، ويتضاءل عن رتبة التمام، ولكن يبقى منه ما بقي له من الصفات والآثار، ولا ريب أن هذه الحال خير من زواله كلية، فإن حصول المقصود من الشيء في بعض أفراده -مع الإمكان- أولى من فَقْدِه على وجه الكمال.

وفي معناه ما قالت الحكماء -في الصديق والصاحب-"من لك بأخيك كلِّه"و"أيُّ الرجال المُهذَّبُ؟"، وقولهم:"من كَثُر صوابُهُ لم يُطْرَح لقليل الخطأ" [2] .

ولم يكن هذا الأمر بمنأى عن نظر الشارع الحكيم، فإنه في باب التكليف لم يطالب المكلفين إلا بما هم مطيقون له قادرون عليه، دون أن يلحقهم فيه حرج أو مشقة فمن قَدر على ما كُلِّف به لزمه فعله، ومن عجز عن بعضه، انتقل من حال التمام التي يعجز عنها إلى التي أدنى منها ويطيقها. قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286] ، وقال: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: 16] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه [3] .

قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي -في شرح هذا الحديث- [4] :"فأوامر الشريعة كلها معلقة بقدرة العبد واستطاعته، فإذا لم يقدر على واجب من الواجبات بالكلية، سقط عنه وجوبه."

وإذا قدر على بعضه، وذلك البعض عبادة، وجب ما يقدر عليه منه، وسقط عنه ما يعجز عنه، ويدخل في هذا من مسائل الفقه والأحكام ما لا يُعدُّ ولا يُحصى"."

وقد حَفَلَت كتب القواعد الفقهية بمجموعة من القواعد التي تمثَّل فيها هذا الجانب [5] ، أي: جانب التخفيف والتيسير على المكلفين بما يتناسب مع أحوالهم، ومراعاة التدرج بحسب قدراتهم، ومن تلك القواعد قاعدة:"الميسور لا يسقط بالمعسور"هذه القاعدة الشهيرة التي أشاد بها العلماء، حتى قال عنها إمام الحرمين [6] : إنها من الأصول الشائعة التي لا تكاد تنسى ما

(1) انظر: المواقف للإيجي (ص 3) .

(2) انظر هذه الأمثال وغيرها في: رسائل الجاحظ (4/ 78) ، والأمثال والحكم للماوردي (862) .

(3) أخرجه البخاري (7288) ، ومسلم (1337) عن أبي هريرة.

(4) بهجة قلوب الأبرار (ص 361) .

(5) انظر على سبيل المثال: كتاب القواعد والضوابط الفقهية المتضمنة للتيسير للدكتور عبد الرحمن العبد اللطيف.

(6) غياث الأمم في التياث الظلم (ص 337) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت