فهرس الكتاب
فقيل له: أنشدتنا بائس، فقال: يابس وبائس واحد. قال ابن جني تعقيبًا على هذا: «وهذا شعر ليست عليه مضايقة الشرع» . بمعنى أنه ليس كالتغيير في القرآن من حيث المؤاخذة.
ويحدث مثل هذه التغيير في الأبيات من الرواة والعلماء، مثل ما حدث لابن الأعرابي حيث أنشد يومًا قول الشاعر [1] :
ومَوضِعِ زَبْنٍ لا أُريدُ بَراجَه ... كأَنِّي بِهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّوعِ آنسُ [2]
فقال له أحد الملازمين لحلقته: ليس هكذا أنشدتنا يا أبا عبيدالله. قال: كيف أنشدتك؟ فقال له: وموضع ضيقٍ. فقال: سبحان الله! تصحبنا منذ كذا وكذا سنة ولا تعلم أن الزبن والضيق شيء واحد؟ قال ابن جني: «فهذا لعمري شائع لأنه شعر، وتحريفه جائز؛ لأنه ليس دينًا ولا عملًا مسنونًا» [3] .
جعل أبو البركات الأنباري الجهل بالقائل سببًا من أسباب رد الاستشهاد بكثير من شواهد الكوفيين في مواطن متعددة، وذلك في مثل قوله: «هذا الشعر لا يعرف قائله، فلا يكون فيه حجة» [4] . ويقول: «وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما أنشدوه فهو مع قلته لا يعرف قائله؛ فلا يجوز الاحتجاج به» [5] . وربما عضد جهالة القائل باحتمالات أخرى [6] ، في حين تراه يحكم بصحة شواهد البصريين وخاصة شواهد سيبويه على الرغم من جهالة قائليها، ثقة في رواية سيبويه وكبار البصريين [7] . وقد ردَّ شاهدًا شعريًا بحجة جهالة قائله، مع أنه رواه
(1) هو المرقش الأكبر.
(2) انظر: المفضليات 224، الخصائص 2/ 467.
(3) المحتسب 1/ 298.
(4) الإنصاف في مسائل الخلاف 294.
(5) المصدر السابق 350، 365.
(6) انظر: الإنصاف 462.
(7) انظر: الإنصاف 544، وأسرار العربية 228، 229.