حُجةً يعولون عليها في نفي هذه الصفة، ويُؤِّولونَ الاستواءَ في الآيات الدالة على صفةِ الاستواءِ بالاستيلاءِ استشهادًا بِهذا الشاهد، حتى لا يكادُ يَخلو منهُ كتابُ تفسيرٍ، ولا عقيدةٍ، ولا بلاغةٍ. [1]
والتحقيق في هذه المسألة هو أن يُقالَ: الاستواء يأَتي في اللغةِ للمعاني التي ذكرها الطبريُّ وهي: التمام والكمال، واستقامةُ ما كان فيهِ أَوَدٌ، والإقبالُ على الشيءِ، والاستيلاءُ والاحتواءُ، والعُلوُّ والارتفاعُ، غير أَنَّ لكلِّ معنى منها سياقًا يناسبه، وتفصيل ذلك على النحو الآتي:
-إذا تعدَّى فعل «استوى» بنفسه كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص: 14] [2] كان بِمعنى بلوغ التمام ولكمال والغاية في القوةِ. [3] وأكثرُ استعمالِ شُعراءِ الجاهليةِ لِهذا الفعلِ بِهذا المعنى، متعديًا بنفسه، ومن ذلك قول خِرْنِق بنتِ بدرِ بن هَفَّان وهي جاهلية:
عَدَدنا لَهُ خَمسًا وَعِشرينَ حِجَّةً ... فَلَمّا تَوَفّاها اِستَوى سَيِّدًا ضَخما [4]
وقالت أم عمرو وهي شاعرةٌ جاهليةٌ:
حينَ اِستَوى وَعلا الشبابُ بهِ ... وَبَدا مُنِيْرَ الوَجْهِ كالبَدْرِ [5]
وقال حاتم الطائي وهو جاهلي:
يَنامُ الضُحى حَتّى إِذا يومُهُ اِستَوى ... تَنَبَّهَ مَثلوجَ الفُؤادِ مُوَرَّما [6]
(1) زاد المسير 3/ 213، تفسير الرازي 1/ 143، 25/ 148، الجامع لأحكام القرآن 1/ 255، 7/ 220، البحر المحيط 1/ 280، بحر العلوم للسمرقندي 1/ 106، ، تفسير البيضاوي 1/ 274، حاشية محي الدين زاده على البيضاوي 1/ 235، السراج المنير للشربيني 1/ 43، أضواء البيان 7/ 293، روح المعاني 3/ 88، 8/ 135، 16/ 155، فتح القدير 2/ 211، مناهل العرفان 2/ 209، لسان العرب 14/ 414 (سوا) .
(2) القصص 14.
(3) انظر: تفسير الطبري (هجر) 18/ 181، تفسير السمعاني 4/ 127.
(4) انظر: ديوانها 19.
(5) انظر: زهر الآداب 2/ 123.
(6) مَثْلُوجَ الفُؤادِ: ضَعيفَهُ، ساقطُ النَّفسِ والرأَي، والمُوَّرمُ مِنْ كثرةِ النومِ. انظر: ديوانه 226.