في مناسك الحج في كتب التفسير ما ذكره العلماء عندَ تفسير قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) } [الحج: 29] [1] في بيان معنى «التَّفَثِ» ، فقد ورد في بيانِ معناها أقوالٌ عن العلماء، منها قولُ الإمام مالك أَنَّ المقصود بالتَّفَثِ حَلْقُ الشَّعَرِ، ولبسُ الثيابِ، وتقليمُ الأظفارِ، وما أتبع ذلك مِمَّا يُحِلُّ به المُحرِم [2] .
وفي الجمهرة لابن دريد: «قال أبو عبيدة: هو قصُّ الأظافرِ، وأَخْذُ الشاربِ، وكُلُّ ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إِلَّا النِّكاح، ولم يَجئ فيه شِعْرٌ يُحتجُّ بهِ» . [3] وقال الزجاج: «والتَّفَثُ في التفسيرِ جاءَ، وأهلُ اللغةِ لا يَعرفُونَهُ إِلا من التفسيرِ» . [4] وذكر مثلَ ذلك الأزهريُّ [5] .
غير أَنَّ ابنَ العربيِّ قد تتبع هذه اللفظةَ في كتب العلماء فقال: «ثُمَّ تتبعتُ التفث لغةً فرأيتُ أبا عبيدةَ مَعْمَرَ بنَ المُثنَّى قد قال: إنه قصُّ الأظفارِ، وأخذُ الشاربِ، وكل ما يَحرمُ على المُحرِمِ، إلا النكاح، ولم يَجئ فيه بشعرٍ يُحتجُّ بهِ. وقال صاحب العينِ: التفثُ هو الرميُ، والحَلْقُ، والتقصيرُ، والذبحُ، وقَصُّ الأظفارِ والشاربِ، ونتفُ الإبطِ. وذكر الزجاج والفراء نحوه [6] ، ولا أُراهُ أَخَذَهُ إلا من قَولِ العُلماءِ. وقال قُطرب: تَفِثَ الرجلُ إذا كَثُرَ وَسَخُهُ، وقال أميةُ بنُ أبي الصَّلتِ:
حَفُّوا رؤُوسَهُمُ لَمْ يَحْلِقُوا تَفَثًا ... ولَم يَسلُّوا لَهُمْ قَمْلًا وصِئْبَانا [7] ». [8]
ثُمَّ قال ابنُ العربي معلقًا على هذه الأقوال: «وإذا انتهيتم إلى هذا المقامِ ظهرَ لكمْ أَنَّ ما ذُكِرَ أَشارَ إليهِ أميةُ بنُ أَبي الصَّلْتِ، وما ذَكرهُ
(1) الحج 29.
(2) انظر الأقوال في تفسير الطبري (هجر) 16/ 525 - 528.
(3) جَمهرة اللغة 1/ 384، وانظر عبارة أبي عبيدة في مجاز القرآن 2/ 50 وليس فيها قوله: «ولم يجئ فيه شعر يُحتجُّ به» .
(4) معاني القرآن وإعرابه 3/ 422.
(5) انظر: تهذيب اللغة 14/ 266.
(6) انظر: معاني القرآن للفراء 2/ 224.
(7) انظر: ديوانه 127.
(8) أحكام القرآن 3/ 284.