فكان الشاهدُ الشعريُّ مُرجِّحًا ومؤكدًا لِلمَعنى اللغويِّ للرَّهْوِ الذي اختاره الطبريُّ في تفسير هذه الآيةِ، وهذا التفسيرُ هو قولُ ابن عباس والحسن وغيرهما. [1]
ورجحه أيضًا ابن عطية، وسلك منهج ابن جرير في الترجيح فاستشهد له بشواهد أخرى من الشعر إضافةً لشاهدِ الطبري فقال بعد سوقه أقوالًا في تفسير الرَّهْوِ: «وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما: معناه ساكنًا، أي كما جُزْتَهُ. وهذا القولُ الأخيرُ هو الذي تُؤيدهُ اللغةُ، فإِنَّ العيشَ الرَّاهِي هوَ الذي في خَفضٍ ودَعَةٍ وسُكونٍ، حكاهُ المُبَرِّدُ وغيرهُ [2] ، والرَّهوُ في اللغةِ هو هذا المعنى [3] ، ومنه قولُ عُمَيْر بن شُيَيم القُطامي:
يَمْشِيْنَ رَهْوًا فلا الأَعْجازُ خَاذِلَةٌ ... ولا الصُّدورُ على الأَعجازِ تَتَّكِلُ [4]
فإِنَّما معناهُ: يَمشينَ اتئادًا وسُكونًا وتَماهلًا». [5] واستشهد القرطبي لهذا التفسير المُختارِ بشاهدٍ شعريٍّ آخر غير ما ذكره الطبري وابن عطية، وهو قول النابغة الذبياني:
والخَيْلُ تَمْزَعُ رَهْوًا في أَعِنَّتِها ... كالطَّيْرِ تَنْجُو من الشُّؤْبُوبِ ذِي البَرَدِ [6]
وأَمَّا الزمخشريُّ فقد ذكر للرَّهوِ وجهين من التفسير، ولم يَجزِم بأَحدِهِما، واستشهدَ ببيتِ القُطاميِّ، وَوهمَ فنَسَبَهُ للأعشى [7] .
وهذا المثال الجامع، دليلٌ على أَثَرِ الشاهدِ الشعريِّ في الترجيحِ
(1) انظر: تفسير الطبري (هجر) 21/ 37.
(2) انظر: الكامل 2/ 737، الاشتقاق لابن دريد 405.
(3) انظر: تهذيب اللغة 6/ 403، مقاييس اللغة 2/ 446، لسان العرب 5/ 350 (رها) .
(4) انظر: ديوانه 195.
(5) المحرر الوجيز (قطر) 13/ 272 - 273.
(6) تَمْزَعُ: تُسرِعُ في سيرها، والشُّؤبوبُ: دَفع المطر وشدته. ورواية الديوان «غَربًا» بدل «رهوًا» فلا شاهد فيه على رواية الديوان. انظر: ديوانه 23، الجامع لأحكام القرآن 137.
(7) انظر: الكشاف 5/ 469.