أقروا بلفظ الحكمة وجحدوا معناها وحقيقتها وكذلك الأمر والشرع فإن من أنكر كلام الله وقال إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قال ولا يقول ولا يحب شيئا ولا يبغض شيئا وجميع الكائنات محبوبة له وما لم يكن فهو مكروه له ولا يحب ولا يرضى ولا يغضب ولا فرق في نفس الأمر بين الصدق والكذب والفجور والسجود للأصنام والشمس والقمر والسجود له ولم يكلف أحدا ما يقدر عليه بل كل تكليفه تكلف مالا يطاق ولا قدرة للمكلف عليه البتة ويجوز أن يعذب رجالا إذ لم يكونوا نساء ويعذب نساء إذ لم يكونوا رجالا وسودا حيث لم يكونوا بيضا وبيضا حيث لم يكونوا سودا ويجوز أن يظهر المعجزة على أيدي الكذابين ويرسل رسولا يدعو إلى الباطل وعبادة الأوثان ويأمر بقتل النفوس وأنواع الفجور ولا ريب أن هذا يرفع الشرائع والأمر والنهي بالكلية ولولا تناقض القائلين به لكانوا منسلخين من دين الرسل ولكن مشى الحال بعض المشي بتناقضهم وهو خير لهم من طرد أصولهم والقول بموجبها
والمقصود أنه لم يؤمن بالقضاء والقدر والحكمة والأمر والنهي والوعد والوعيد حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل وورثتهم والقضاء والقدر منشؤه عن علم الرب وقدرته ولهذا قال الإمام أحمد القدر قدرة الله واستحسن ابن عقيل هذا الكلام من أحمد غاية الاستحسان وقال إنه شفى بهذه الكلمة وأفصح بها عن حقيقة القدر ولهذا كان المنكرون القدرة فرقتين فرقة كذبت بالعلم السابق ونفته وهم غلاتهم الذين كفرهم السلف والأئمة وتبرأ منهم الصحابة وفرقة جحدت كمال القدرة وأنكرت أن تكون أفعال العبادة مقدورة لله تعالى وصرحت بأن الله لا يقدر عليها فأنكر هؤلاء كمال قدرة الرب وأنكرت الأخرى كمال علمه وقابلتهم الجبرية فجاءت على إثبات القدرة والعلم وأنكرت الحكمة والرحمة ولهذا كان مصدر الخلق والأمر والقضاء والشرع عن علم الرب وعزته وحكمته ولهذا يقرن تعالى بين