قد وضع المسك في الحشوش والأخلية ووضع النجاسات والقاذورات في مواضع الطيب والنظافة لاشتد نكيرهم عليه والقدح في عقله ونسبوه إلى السفه وخلاف الحكمة وكذلك لو وضع العقوبة موضع الإحسان والإحسان موضع العقوبة لسفهوه وقدحوا في عقله كما قال القائل
ووضع الندى موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
وكذلك لو وضع الدواء موضع الغذاء والغذاء موضع الدواء والاستفراغ حيث يكون اللائق به عدمه والإمساك حيث يليق الاستفراغ وكذلك وضع الماء موضع الطعام والطعام موضع الماء وأمثال ذلك مما يخل بالحكمة بل لو أقبل على الحيوان البهيم يريد تعليمه مالم يخلق له من العلوم والصنائع فمن بهرت حكمته العقول والألباب كيف ينبغي له أن يضع الأشياء في غير مواضعها اللائقة بها ومن المعلوم أن أجل نعمه على عبده الإيمان به معرفته ومحبته وطاعته والرضا به والإنابة إليه والتوكل عليه والتزام عبوديته ومن المعلوم أيضا أن الأرواح منها الخبيث الذي لا أخبث منه ومنها الطيب وبين ذلك وكذلك القلوب منها القلب الشريف الزكي والقلب الخسيس الخبيث وهو سبحانه خلق الأضداد كما خلق الليل والنهار والبرد والحر والداء والدواء والعلو والسفل وهو أعلم بالقلوب الزاكية والأرواح الطيبة التي تصلح لاستقرار هذه النعم فيها وإيداعها عندها ويزكو بذرها فيها فيكون تخصيصه لها بهذه النعمة كتخصيص الأرض الطيبة القابلة للبذر بالبذر فليس من الحكمة أن يبذر البر في الصخور والرمال والسباخ وفاعل ذلك غير حكيم فما الظن ببذر الإيمان والقرآن والحكمة ونور المعرفة والبصيرة في المحال التي هي أخبث المحال
فالله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالاته أصلا وميراثا فهو أعلم بمن يصلح لتحمل رسالته فيؤديها إلى عباده بالأمانة والنصيحة وتعظيم المرسل