فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 617

والمقصود بالقصد الأول إتمام نعمته تعالى على أوليائه ورسله وخاصته فاستعمال أعدائه فيما تكمل به النعمة على أوليائه غاية الحكمة وكان في تمكين أهل الكفر والفسق والعصيان من ذلك إيصال إلى الكمال الذي يحصل لهم بمعاداة هؤلاء وجهادهم والإنكار عليهم والموالاة فيه والمعاداة فيه وبذل نفوسهم وأموالهم وقواهم له فإن تمام العبوديةلا يحصل إلا بالمحبة الصادقة وإنما تكون المحبة صادقة إذا بذل فيها المحب ما يملكه من مال ورياسة وقوة في مرضاة محبوبة والتقرب إليه فإن بذل له روحه يحصل إلا بها أن يخلق ذواتا وأسبابا وأعمالا وأخلاقا وطبائع تقتضي معاداة من يحبه ويؤثر مرضاته لها وعند ذلك تتحقق المحبة الصادقة من غيرها فكل أحد يحب الإحسان والراحة والدعة واللذة ويحب من يوصل إليه ذلك ويحصله له ولكن الشأن في أمر وراء هذا وهو محبته سبحانه ومحبة ما يحبه مما هو أكره شيء إلى النفوس وأشق شيء عليها مما لا يلائمها فعند حصول أسباب ذلك يتبين من يحب الله لذاته ويحب ما يحب ممن يحبه لأجل مخلوقاته فقط من المأكل والمشرب والمنكح والرياسة فإن أعطي منها رضي وإن منعها سخط وعتب على ربه وربما شكاه وربما ترك عبادته فلولا خلق الأضداد وتسليط أعدائه وامتحان أوليائه لم يستخرج خاص العبودية من عبيده الذين هم عبيده ولم يحصل لهم عبودية الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه والعطاء له والمنع له ولا عبودية بذل الأرواح والأموال والأولاد والقوى في جهاد أعدائه ومضرته ولا عبودية مفارقة الناس أحوج ما يكون إليهم عند لأجله في مرضاته ولا يتحيز إليهم وهو يرى محاب نفسه وملاذها بأيديهم فيرضى مفارقتهم ومشاققتهم وإيثار موالاة الحق عليهم فلولا الأضداد والأسباب التي توجب ذلك لم تحصل هذه الآثار وأيضا فلولا تسليط الشهوة والغضب ودواعيهما على العبد لم تحصل له فلضيلة الصبر وجهاد النفس ومنعها من خوضها وشهواتها محبة لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت