حقوقه ومسامحة خلقه بها والعفو عن كثير من جنايات العبيد فنبههم باليسير من عقابه وانتقامه على الكثير الذي عفا عنه وأنه لو عاجلهم بعقوبته وأخذهم بحقه لقضى إليهم أجلهم ولما ترك على ظهرها من دابة ولكنه سبقت رحمته غضبه وعفوه انتقامه ومغفرته عقابه فله الحمد على عفوه وانتقامه وعلى عدله وإحسانه ولا سبيل إلى تعطيل أسباب حمده ولا بعضها فليتدبر اللبيب هذا الموضع حق التدبر وليعطه حقه يطلعه على أبواب عظيمة من أسرار القدر ويهبط به على رياض منه معشبة وحدائق مأنقة والله الموفق الهادي للصواب
وأيضا فإن الله سبحانه نوع الأدلة الدالة عليه والتي تعرف عباده به غاية التنوع وصرف الآيات وضرب الأمثال ليقيم عليهم حجته البالغة ويتم عليهم بذلك نعمته السابغة ولا يكون لأحد بعد ذلك حجة عليهم سبحانه بل الحجة كلها له والقدرة كلها له فأقام عليهم حجته ولو شاء لسوى بينهم في الهداية كما قال تعالى فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين فأخبر أن له الحجة البالغة وهي التي بلغت إلى صميم القلب وخالطت العقل واتحدت به فلا يمكن للعقل دفعها ولا جحدها ثم أخبر أنه سبحانه قادر على هداية خلقه كلهم ولو شاء ذلك لفعله لكمال قدرته ونفوذ مشيئته ولكن حكمته تأبى ذلك وعدله يأبى تعذيب أحد وأخذه بلا حجة فأقام الحجة وصرف الآيات وضرب الأمثال ونوع الأدلة ولو كان الخلق كلهم على طريقة واحدة من الهداية لما حصلت هذه الأمور ولا تنوعت هذه الأدلة والأمثال ولا ظهرت عزته سبحانه في انتقامه من أعدائه ونصر أوليائه عليهم ولا حججه التي أقامها على صدق أنبيائه ورسله ولا كان للناس آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في