الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه فلاح بل تداركهم بالدواء الثاني الشافي فاستخرج منهم داء لو استمر معهم لأفضى إلى الهلاك ثم تداركهم بروح الرجاء فقذفه في قلوبهم وأخبر أنه عند ظنونهم به ولو أشهدهم عظم الجناية وقبح المعصية وغضبه ومقته على من عصاه فقط لأورثهم ذلك المرض القاتل أو الداء العضال من اليأس من روحه والقنوط من رحمته وكان ذلك عين هلاكهم ولكن رحمهم قبل البلاء وجعل تلك الآثار التي توجبها المعصية من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده فأشهدهم بالجناية عزة الربوبية وذل العبودية ورقاهم بآثارها إلى منازل قربة ونيل كرامته فهم على كل حال يربحون عليه يتقلبون في كرمه وإحسانه وكل قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير به يسوقه إلى كرامته وثوابه وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم فإذا استرجعها أيضا وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة ما قيل إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة فإذا استرجعها كانت عطايا الآخرة والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه ومضى مشيئته وعظيم سلطانه وعلو شأنه وكرمه وبره وإحسانه وسعة مغفرته ورحمته وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية ووراءه مما لم تحتمله قواهم ولا يخطر ببال ولا يدخل في خلد مما لا نسبة لما عرفوه إليه فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور وفنون الكفر والشرك والتقلب في غضبه وسخطه وقلوبهم وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم ولا يذكر أحد منهم النار إلا وهو شاهد بذلك مقر به معترف اعتراف طائع لا مكره مضطهد فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم والمؤمنون يشهدون فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه ولو شهدوا بها وباؤوا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته فيشهدون أنهم عبيده وملكه وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده