العوض فهل يحسن منا أن يؤلم أحدنا غيره بغير إذنه لعوض يصل إليه فالجواب أن الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض التي تصل إليه لرضي بالألم ولرغب فيه لوفور الأعواض وعظمها وليس كذلك في شاهد استئجار الأجير من غير اختياره قالوا وليس كذلك إيلام أحدنا لغيره لأجل التعويض فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا قالوا فإن فرضتموه في ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عيب فإن فرض فيه مصلحة ورضي المضروب بذلك وعظمت الأعواض عنه فهو حسن في العقل لا محالة قالوا وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع موقوف على مضرة الألم وباعتبار كونه لطفا في الدين يخرج عن كونه عبثا قالوا وقد رأينا في المشاهد حسن الألم للنفع فإنه يحسن في المشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها في طلب العلوم والأرباح التي لا نصل إليها إلا على جنس من التعب والمشقة قالوا وهذا الوجه هو حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام للنفع فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح قالوا وأما الألم المستحق للعقوبة فإنه حسن في المشاهد ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها ولكن لا بد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة قالوا ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذي لها وهو العوض على الآلام التي حصلت لها قالوا وبقاؤها بعد الإعادة موقوف ونعيم الأطفال والمجانين دائم واختلفوا في البهائم فقال بعضهم يدوم عوضهم وقال آخرون بانقطاعه فإنهم يصيرون ترابا قالوا