ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفي ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحبسها ولا بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه ولا بقول من يقول إن البهائم مكلفة مأمورةمنهية مثابة معاقبة وإنه في كل أمة منها رسول ونبي منها وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري وقال من أنصف القوم لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته في ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون وإن أرادوا أنها لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم في طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك
وقالت طائفة كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته لكن هذا أشد فسادا من ذلك فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث إذ وجود حادث بلا محدث محال والله خالقها بأسبابه المفضية إليها فخالق السبب خالق للمسبب فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله