فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 617

ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفي ذلك ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فرعوه عليه ولم يمكنهم القول بمذهب التناسخية القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها فينالها من ألم الضرب والعذاب بحبسها ولا بمذاهب المجوس من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب بخلقه ولا بقول من يقول إن البهائم مكلفة مأمورةمنهية مثابة معاقبة وإنه في كل أمة منها رسول ونبي منها وهذه الآلام والعقوبات الدنيوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس وجحدوا الضرورة وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري وقال من أنصف القوم لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه وطال حزنه وكثر هم روحه وغمها واشتدت فكرته في ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم الطبيعة ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما يحصل للعاقل المميز فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون وإن أرادوا أنها لا شعور لها بالآلام البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم في طفولته بمس النار له وبالضرب وغير ذلك

وقالت طائفة كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله ولا فعل الله فيه الألم لما ثبت من حكمته وهذا يشبه قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله ولا كانت بمشيئته لكن هذا أشد فسادا من ذلك فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته فلا بد لها من محدث إذ وجود حادث بلا محدث محال والله خالقها بأسبابه المفضية إليها فخالق السبب خالق للمسبب فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت