فهرس الكتاب

الصفحة 250 من 617

الأسباب مظهر حكمته وحمده وموضع تصرفه لخلقه وأمره فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها فتعطيلها منها قدح في الحكمة وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه ولكن الرب سبحانه قد يخرق العادة ويعطلها عن مقتضياتها أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات كما عطل النار التي ألقى فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح العظيمة وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب فهكذا سائر أفعاله سبحانه مع أنه أشهد عباده بذلك أنه مسبب الأسباب وأن الأسباب خلقه وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها وأن كونها كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها بل هو الذي جعلها كذلك وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين وزنادقة الأطباء أنه ليس في الإمكان تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها ويقولون لا تعطيل في الطبيعة وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء بل هي المتصرفة المدبرة ولا كما يقول من نقص علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه فجحد ذلك كله ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها والقوى بمحالها ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الطفل لحامله والحرارة للنار ولا يمكنه دفعها ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت