فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 617

السحاب وليس العجب من سائر في ليله ونهاره وهو في الثرى لم يبرح من مكانه وإنما العجب من ساكن لا يرى عليه أثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز فسائر قد ركبته نفسه فهو حاملها وسائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها خطوة إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه فهو معها في جهد وهي معه كذلك وسائر قد ركب نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاء وأين شاء لا تلتوي عليه ولا تنجذب ولا تهرب منه بل هي معه كالأسير الضعيف في يد مالكه وآسره وكالدابة الريضة المنقادة في يد سائسها وراكبها فهي منقادة معه حيث قادها فإذا رام التقدم جمزت به وأسرعت فإذا أرسلها سارت به وجرت فلي الحلبة إلى الغاية ولا يردها شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها ليس كالذي نزل عنها فهو يجرها بلجامها ويشحطها ولا تنشحط فشتان ما بين المسافرين فتأمل هذا المثل فإنه مطابق لحال السائرين المذكورين والله يختص برمحمته من يشاء فصل ومن شأن القوم أن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذي يخالف تدبيره تعالى واختياره بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على نواصي الخلق المتولي تدبير أمر العالم كله وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم في أفعاله الذي لا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة فلم يدخلوا أنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أمور عباده ولو كان كذا وكذا ولا بعسى ولعل ولا بليت بل ربهم أجل وأعظم في قلوبهم من أن يعترضوا عليه أو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه وهو أعلم به وأعرف بأسمائه وصفاته من أن يتهموه في تدبيره أو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله بل هو ناظر بعين قلبه إلى بارىء الأشياء وفاطرها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت