فهرس الكتاب
السحاب وليس العجب من سائر في ليله ونهاره وهو في الثرى لم يبرح من مكانه وإنما العجب من ساكن لا يرى عليه أثر السفر وقد قطع المراحل والمفاوز فسائر قد ركبته نفسه فهو حاملها وسائر بها ملبوك يعاقبها وتعاقبه ويجرها وتهرب منه ويخطو بها خطوة إلى أمامه فتجذبه خطوتين إلى ورائه فهو معها في جهد وهي معه كذلك وسائر قد ركب نفسه وملك عنانها فهو يسوقها كيف شاء وأين شاء لا تلتوي عليه ولا تنجذب ولا تهرب منه بل هي معه كالأسير الضعيف في يد مالكه وآسره وكالدابة الريضة المنقادة في يد سائسها وراكبها فهي منقادة معه حيث قادها فإذا رام التقدم جمزت به وأسرعت فإذا أرسلها سارت به وجرت فلي الحلبة إلى الغاية ولا يردها شيء فتسير به وهو ساكن على ظهرها ليس كالذي نزل عنها فهو يجرها بلجامها ويشحطها ولا تنشحط فشتان ما بين المسافرين فتأمل هذا المثل فإنه مطابق لحال السائرين المذكورين والله يختص برمحمته من يشاء فصل ومن شأن القوم أن تنسلخ نفوسهم من التدبير والاختيار الذي يخالف تدبيره تعالى واختياره بل قد سلموا إليه سبحانه التدبير كله فلا يزاحم تدبيرهم تدبيره ولا اختيارهم اختياره لتيقنهم أنه الملك القاهر القابض على نواصي الخلق المتولي تدبير أمر العالم كله وتيقنهم مع ذلك أنه الحكيم في أفعاله الذي لا تخرج أفعاله عن الحكمة والمصلحة والرحمة فلم يدخلوا أنفسهم معه في تدبيره لملكه وتصريفه أمور عباده ولو كان كذا وكذا ولا بعسى ولعل ولا بليت بل ربهم أجل وأعظم في قلوبهم من أن يعترضوا عليه أو يتسخطوا تدبيره أو يتمنوا سواه وهو أعلم به وأعرف بأسمائه وصفاته من أن يتهموه في تدبيره أو يظنوا به الإخلال بمقتضى حكمته وعدله بل هو ناظر بعين قلبه إلى بارىء الأشياء وفاطرها