فهرس الكتاب
وتكون معلولة أيضا لأنها إرادة تامة للمحبوب ووجود المحبة بلا إرادة كوجود الإنسانية من غير جيوانية وكوجود مقام الأحسان بدون الإيمان والسلام فإذا كانت الإرادة معلولة وهي من منازل العوام لزم أن تكون المحبة كذلك فإن قيل المحبة التي لا علة فيها هي تجرد المحب عن الإرادة وفناؤه بإرادة محبوبه عن إرادته قيل هذا هو حقيقة الإرادة أن يبقى مراده مراد محبوبه فلو لم يكن مريدا لمراد محبوبه لم يكن موافقا له في الإرادة والمحبة هي موافقى المحبوب في إرادته فعاد الأمر إلى ما أشرنا إليه أن المعلول من ذلك ما تعلق بحظ المريد دون محبوبه فإذا صارت إرادته موافقة لإرادة محبوبه لم تكن تلك الإرادة من منازل العوام ولا معلولة بل هذه أشرف منازل الخواص وغاية مطالبهم وليس وراءها إلا التجرد عن كل إرادة والفناء بشهوده عن إرادةما يريد وهذا هو الذي يشير إليه السالكون إلى منازل الفناء ويجعلونه غاية الغايات وهذا عند أهل الكمال نقص وتغيير في وجه المحبة وهضم لجانب العبودية وفناء بحظ المحب من مشاهدته جمال محبوبه وفنائه فيه عن حق المحبوب ومراده فهو الوقوف مع نفس الحظ والهروب عن حق المحبوب ومراده وهل مثل هذا إلا كمثل رجلين ادعيا محبة ملك فحضرا بين يديه فقال ما تريدان فقال أحدهما أريد أن لا أريد شيئا بل أفنى عن إرادتي وأكون أنا المراد وأنت تريد بي ما تشاء وقال الآخر أريد أن أنفق أنفاسي وذراتي في محابك ومرضاتك منفذا لأوامرك مشمرا في طاعتك أتوجه حيث توجهني وأفعل ما تأمرني هذا الذي أريده فقال الآخر وأنا أريد منك أن تفعل مثل هذا فإني سأبعثكما في أشغالي ومهماتي فأما أحدهما فقال لا حظ لي سوى اتباع مرضاتك والقيام بحقوقك وقال الآخر لا أريد إلا مشاهدتك والنظر إليك والفناء فيك فهل يكونان في نظره سواء وهل تستوي منزلتهما عنده ولو أمعنوا النظر لعلموا أن صاحب الفناء هو طالب حظ الواقف معه وأن الآخر وإن لم ينسلخ من الحظ ولكن حظه مراد المحبوب منه لا