فهرس الكتاب
لأنه حبس النفس عن الملذوذات وإمساكها عن فضول الشهوات ومخالفة دواعي الهوى وترك مالا يغني من الأشياء وهذا نقص في طريق الخاصة لأنه تعظيم للدنيا واحتباس عن انتقادها وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك وتضييع الوقت في منازعة نفسك وشهود جنسك وبقائك معك ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها كيف قال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وذلك حيث عافى باطنه من شهودها وظاهره من التعلق بها فالزهد صرف الرغبة إليه وتعلق الهمة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك كما قيل إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال أيها الشيخ بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة فقال الشيخ إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله فكفانا ما دونه وكما قال
تسترت عن دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني
فيقال الكلام على هذا من وجوه أحداها أن جعل الزهد للعوام لما ذكره إنما يتم إذا كان الزهد ملزوما لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعي الشهوة والهوى وحينئذ فيكون قلبه مشغولا بتلك الدواعي والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده يأمره باجتنابها ولا ريب أن فوق هذا مقاما أعلى منه وهو طمأنينة نفسه وسكونها إلى محبوبها وانجذاب دواعيها إلى محابه ومرضاته وهذا للخواص من المؤمنين ولكن هذه المنازعة غير لازمة للزهد وإن كان لا بد منها في حكم الطبيعة لتحقق الابتلاء والامتحان وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا له على هواه ونفسه الثاني أنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من لوازم الزهد لم يكن فيها