فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 617

لأنه حبس النفس عن الملذوذات وإمساكها عن فضول الشهوات ومخالفة دواعي الهوى وترك مالا يغني من الأشياء وهذا نقص في طريق الخاصة لأنه تعظيم للدنيا واحتباس عن انتقادها وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك وتضييع الوقت في منازعة نفسك وشهود جنسك وبقائك معك ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها كيف قال هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وذلك حيث عافى باطنه من شهودها وظاهره من التعلق بها فالزهد صرف الرغبة إليه وتعلق الهمة به والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه ليتولى هو حسم هذه الأسباب عنك كما قيل إن بعض المريدين سأل بعض المشايخ فقال أيها الشيخ بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة فقال الشيخ إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه نحن قوم صرفنا هممنا إلى الله فكفانا ما دونه وكما قال

تسترت عن دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني

فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني

فيقال الكلام على هذا من وجوه أحداها أن جعل الزهد للعوام لما ذكره إنما يتم إذا كان الزهد ملزوما لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعي الشهوة والهوى وحينئذ فيكون قلبه مشغولا بتلك الدواعي والجواذب ونفسه تطالبه بها وزهده يأمره باجتنابها ولا ريب أن فوق هذا مقاما أعلى منه وهو طمأنينة نفسه وسكونها إلى محبوبها وانجذاب دواعيها إلى محابه ومرضاته وهذا للخواص من المؤمنين ولكن هذه المنازعة غير لازمة للزهد وإن كان لا بد منها في حكم الطبيعة لتحقق الابتلاء والامتحان وليتحقق ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا له على هواه ونفسه الثاني أنه لو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من لوازم الزهد لم يكن فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت