فهرس الكتاب
هنا الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاء فإن المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وراء البلاء قالوا فالبلاء بمخالفة دواعي النفس والطبع من أشد البلاء فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون وأما البلاء الذي يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والطش ونحوها فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان بل يصبر عليه البر والفاجر لا سيما إذا علم أنه لا معول له إلا الصبر فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه وابتلائه بمراودة المرأة وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهي الداعية إلى ذلك فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء فإن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحي من أهله ومارفه من قضاء وطره فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام وإذا كان عزبا كان أشد لشهوته وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم فإن كانت ذات منصب كان أقوى في الشهوة فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضا للطلب فإن كان الرجل كمملوكها وهي كالحاكمة عليه الآمرة الناهية كان أبلغ في الداعي فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبه فهذا الابتلاء الذي صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم طبعه وهذا بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون والتي أصابت أيوب قالوا وأيضا فإن هذه هي النكتة التي من أجلها كان صالح البشر أفضل من الملائكة لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات البشرية فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق وهي