فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 617

هنا الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاء فإن المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وراء البلاء قالوا فالبلاء بمخالفة دواعي النفس والطبع من أشد البلاء فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون وأما البلاء الذي يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والطش ونحوها فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان بل يصبر عليه البر والفاجر لا سيما إذا علم أنه لا معول له إلا الصبر فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق بما فعل به إخوته من الأذى والإلقاء في الجب وبيعه بيع العبيد والتفريق بينه وبين أبيه وابتلائه بمراودة المرأة وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها وهي الداعية إلى ذلك فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب البلاء فإن الشباب داع إلى الشهوة والشاب قد يستحي من أهله ومارفه من قضاء وطره فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام وإذا كان عزبا كان أشد لشهوته وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد وإذا كانت جميلة كان أعظم فإن كانت ذات منصب كان أقوى في الشهوة فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ من الداخل كان أقوى أيضا للطلب فإن كان الرجل كمملوكها وهي كالحاكمة عليه الآمرة الناهية كان أبلغ في الداعي فإذا كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبه فهذا الابتلاء الذي صبر معه مثل الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم صلوات الله عليهم أجمعين ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول بل هو من جنس ابتلاء الخليل بذبح ولده إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة ومفارقة حكم طبعه وهذا بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون والتي أصابت أيوب قالوا وأيضا فإن هذه هي النكتة التي من أجلها كان صالح البشر أفضل من الملائكة لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس والشهوات البشرية فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق وهي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت