فهرس الكتاب
وهي درجة القرب منه وقد قال فيها سلف الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف والثاني حسن المآب وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند الله قالوا ومن تأمل زيادة القرب التي أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا وأن العبد بعد التوبة يعود خيرا مما كان قالوا وأيضا فإن للعبودية لوازم وأحكاما وأسرارا وكمالات لا تحصل إلا بها ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم فإن الله سبحانه يحب من عبده أن يكمل مقام الذل له وهذه هي حقيقة العبودية واشتقاقها يدل على ذلك فإن العرب تقول طريق معبد أي مذلل بوطء الأقدام والذل أنواع أكملها ذل المحب لمحبوبه الثاني ذل الملوك لمالكه الثالث ذل الجاني بين يدي المنعم عليه المحسن إليه المالك له الرابع ذل العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدي القادر عليها التي هي في يده وبأمره وتحت هذا قسمان أحدهما ذل له في أن يجلب له ما ينفعه والثاني ذل له في أن يدفع عنه ما يضره على الدوام ويدخل في هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها وشهدها كما ينبغي وعرف ما يراد به وقام بين يدي ربه مستصحبا لها شاهدا لذله من كل وجه ولعزة ربه وعظمته وجلاله كان قليل أعماله قائما مقام الكثير من أعمال غيره قالوا وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام فمن لا نصيب له منها فلا يضره أن يخلي المطي وحاديها ويعطي القوس باريها
فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان
قالوا وأيضا فقد ثبت عن النبي أنه قال لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته قالوا وهذا أعظم ما يكون من الفرح