فهرس الكتاب
وأكمله فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب وهي مركبه الذي يقطع به مسافة سفره فلو عدمه لانقطع في طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه ثم إنه عدمها في أرض دوية لا أنيس بها ولا معين ولا من يأوي له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام فلما أيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه فأي فرحة تعدل فرحة هذا ولو كان في الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبي ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادي الخفا وهو وادي المحرفين للكلم عن مواضعه الواضعين له على غير المراد منه فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا في شعابه وطرقه ومتاهاته و لم تستقر لهم فيه قدم ولا لجأوا منه إلى ركن وثيق بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل وإن نجاك الله من هذا الوادي فتأمل هذه الألفاظ النبوية المعصومة التي مقصود المتكلم بها غاية البيان مع مصدرها عن كمال العلم بالله وكمال النصيحة للأمة ومع هذه المقامات الثلاث أعني كمال بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني وكمال معرفته وعلمه بما يعبر عنه وكمال نصحه وإرادته لهداية الخلائق يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء وهو لا يريد منهم ما يدل عليه خطابه بل يريد منه أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب إنما يدل عليه كدلالة الألغاز والأحاجي مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال ويوقع الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات والتجويزات سبحانك هذا بهتان عظيم وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه