فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 617

وأكمله فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب وهي مركبه الذي يقطع به مسافة سفره فلو عدمه لانقطع في طريقه فكيف إذا عدم مع مركبه طعامه وشرابه ثم إنه عدمها في أرض دوية لا أنيس بها ولا معين ولا من يأوي له ويرحمه ويحمله ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام فلما أيس من الحياة بفقدها وجلس ينتظر الموت إذا هو براحلته قد أشرفت عليه ودنت منه فأي فرحة تعدل فرحة هذا ولو كان في الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبي ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذ تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء فإن كنت ممن غلظ حجابه وكثفت نفسه وطباعه فعليك بوادي الخفا وهو وادي المحرفين للكلم عن مواضعه الواضعين له على غير المراد منه فهو واد قد سلكه خلق وتفرقوا في شعابه وطرقه ومتاهاته و لم تستقر لهم فيه قدم ولا لجأوا منه إلى ركن وثيق بل هم كحاطب الليل وحاطم السيل وإن نجاك الله من هذا الوادي فتأمل هذه الألفاظ النبوية المعصومة التي مقصود المتكلم بها غاية البيان مع مصدرها عن كمال العلم بالله وكمال النصيحة للأمة ومع هذه المقامات الثلاث أعني كمال بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني وكمال معرفته وعلمه بما يعبر عنه وكمال نصحه وإرادته لهداية الخلائق يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء وهو لا يريد منهم ما يدل عليه خطابه بل يريد منه أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب إنما يدل عليه كدلالة الألغاز والأحاجي مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى بأحسن عبارة وأوجزها فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال ويوقع الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات والتجويزات سبحانك هذا بهتان عظيم وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك ففصاحة الرسول وبيانه وعلمه ومعرفته ونصحه وشفقته يحيل عليه أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت