فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 617

المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأويله وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي والحمد لله رب العالمين

فإن قلت فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فتسلك فيه أو من طريق يستقيم عليه السالك قلت نعم بحمد الله الطريق واضحة المنار بينة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس فمن حلها فما بعدها أيسر منها ومن هلك بها فما بعدها أشد منها وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم في المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض وردها كلها إلى الإرادة فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين فإن ذلك هو السابق إلى فهمه وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره ولما كان هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم فلم يجد بدا من نفيها ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان أحدهما مسلك التناقض البين وهو إثبات كثير من الصفات ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فر منه فكيف لم يستلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورا فكيف يستلزم إثبات ما نفاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت