فهرس الكتاب
المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له غير تأويله وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي والحمد لله رب العالمين
فإن قلت فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فتسلك فيه أو من طريق يستقيم عليه السالك قلت نعم بحمد الله الطريق واضحة المنار بينة الأعلام مضيئة للسالكين وأولها أن تحذف خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس فمن حلها فما بعدها أيسر منها ومن هلك بها فما بعدها أشد منها وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجاجه بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها فيظن القاصر إذا رأى ذلك اللازم في المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض وردها كلها إلى الإرادة فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين فإن ذلك هو السابق إلى فهمه وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره ولما كان هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم فلم يجد بدا من نفيها ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان أحدهما مسلك التناقض البين وهو إثبات كثير من الصفات ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فر منه فكيف لم يستلزم إثبات ما أثبته وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورا فكيف يستلزم إثبات ما نفاه