فهرس الكتاب
مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته ثم إن العبد أبق عن سيده ومالكه معرضا عن رضاه ثم لم يكفه ذلك حكى حتى خامر عليه وصالح عدوه ووالاه من دونه وصار من جنده مؤثرا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه فقد باع نفسه التي اشتراها منه إلهه ومالكه وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه من عدوه وأبغض خلقه إليه واستبدل غضبه برضاه ولعنته برحمته ومحبته فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه قال تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوء هذا العبد وما تعرض له من المقت والخزي والهوان ومن استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذي هو أولى به فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبا له واستولوا عليه وحالوا بينه وبينه فهرب منهم ذلك المحبوب وجاء إلى محبه اختيارا وطوعا حتى توسد عتبة بابه فخرج المحب من بيته فوجد محبوبه متوسدا عتبة بابه واضعا خده وذقنه عليها فكيف يكون فرحه به ولله المثل الأعلى ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسول الله لمن فتح الله عين قلبه فأبصر ما في طيه وما في ضمنه وعلم أنه ليس كلام مجاز ولا مبالغة ولا تخييل بل كلام معصوم في منطقه وعلمه وقصده وعمله كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقرها لا يتعدى بها عنه ولا يقصر بها والذي يزيد هذا المعنى تقريرا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه فإنه لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه فإنه ألهمه حبه وآثره به فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها فإنه من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا ومن أتاه مشيا أتاه