فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 617

يصبر لها انقلب على وجهه والله الموفق لا إله غيره ولا رب سواه والمقصود أن هذا الفرح من الله بتوبة عبده مع أنه لم يأت نظيره في غيرها من الطاعات دليل على عظم قدر التوبة وفضلها عند الله وأن التعبد له بها من أشرف التعبدات وهذا يدل على أن صاحبها يعود أكمل مما كان قبلها فهذا بعض ما احتج به لهذا القول

وأما الطائفة التي قالت لا يعود إلى مثل ما كان بل لا بد أن ينقص حاله فاحتجوا بأن الجناية توجب الوحشة وزوال المحبة ونقص العبودية بلا ريب فليس العبد الموفر أوقاته على طاعة سيده كالعبد المفرط في حقوقه وهذا مما لا يمكن جحده ومكابرته فإذا تاب إلى ربه ورجع إليه أثرت توبته ترك مؤاخذته بالذنب والعفو عنه وأما مقام القرب والمحبة فهيهات أن يعود قالوا ولأن هذا في زمن اشتغاله بالمعصية قد فاته فيه السير إلى الله فلو كان واقفا في موضعه لفاته التقدم فكيف وهو في زمن المعصية كان سيره إلى وراء وراء فإذا تاب واستقبل سيره فإنه يحتاج إلى سير جديد وقطع مسافة حتى يصل إلى الموضع الذي تأخر منه قالوا ونحن لا ننكر أنه قد يأتي بطاعات وأعمال تبلغه إلى منزلته وهذا مما لا يكون فإنه بالتوبة قد وجه وجهه إلى الطريق فلا يصل إلى مكانه الذي رجع منه إلا بسير مستأنف يوصله إليه ونحن لا ننكر أن العبد بعد التوبة يعمل أعمالا عظيمة لم يكن ليعملها قبل الذنب توجب له التقدم قالوا وأيضا فلو رجع إلى حاله الذي كان عليها أو إلى أرفع منها فكان بمنزلة المداوم على الطاعة أو أحسن حالا منه فكيف يكون هذا وأين مسير صاحب الطاعة في زمن اشتغال هذا بالمعصية وكيف يلتقي رجلان أحدهما سائر نحو المشرق والآخر نحو المغرب فإذا رجع أحدهما إلى طريق الآخر والآخر مجد على سيره فإنه لا يزال سابقه ما لم يعرض له فتور أو توان هذا مما لا يمكن جحده ودفعه قالوا وأيضا فمرض القلب بالذنوب على مثل مرض الجسم بالأسقام والتوبة بمنزلة شرب الدواء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت