فهرس الكتاب
الثواب وأما من لم يخطر بباله الذنب أصلا ولم يحدث به نفسه فهذا كيف يثاب على تركه ولو أثيب مثل هذا على ترك هذا الذنب لكان مثابا على ترك ذنوب العالم التي لا تخطر بباله وذلك أضعاف حسناته بما لا يحصى فإن الترك مستصحب معه والمتروك لا ينحصر ولا ينضبط فهل يثاب على ذلك كله هذا مما لا يتوهم وإذا كانت الحسنة لا بد أن تكون أمرا وجوديا فالتائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكف نفسه عنه وعزم علىترك معاودته وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة قد بدلت تلك السيئة حسنة وهذا معنى قول بعض المفسرين يجعل مكان السيئة التوبة والحسنة مع التوبة فإذا كانت كل سيئة من سيئاته قد تاب منها فتوبته منها حسنة حلت مكانها فهذا معنى التبديل لا أن السيئة نفسها تنقلب حسنة وقال بعض المفسرين في هذه الآية يعطيهم بالندم على كل سيئة أساؤوها حسنة وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال واتضح الصواب وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة وأما حديث أبي ذر وإن كان التبديل فيه في حق المصر الذي عذب على سيئاته فهو يدل بطريق الأولى على حصول التبديل للتائب المقلع النادم على سيئاته فإن الذنوب التي عذب عليها المصر لما زال أثرها بالعقوبة بقيت كأن لم تكن فأعطاه الله مكان كل سيئة منها حسنة لأن ما حصل له يوم القيامة من الندم المفرط عليها مع العقوبة لا يقتضي زوال أثرها وتبديلها حسنات فإن الندم لم يكن في وقت ينفعه فلما عقوب عليه وزال أثرها بدلها الله له حسنات فزوال أثرها بالتوبة النصوح أعظم من زوال أثرها بالعقوبة فإذا بدلت بعد زوالها بالعقوبة حسنات فلئن تبدل بعد زوالها بالتوبة حسنات أولى وأحرى وتأثير التوبة في هذا المحو والتبديل أقوى من تأثير العقوبة لأن التوبة فعل اختياري أتى به العبد طوعا ومحبة لله وفرقا منه وأما العقوبة فالتكفير بها من جنس التكفير بالمصائب التي تصيبه