فهرس الكتاب
بغير اختياره بل بفعل الله ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره
ولنرجع الآن إلى المقصود وهو ما ذكره أبو العباس بن الصائف في علل المقامات فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه هذا آخر الوجه الثاني منها
الوجه الثالث أن يقال قوله الزهد تعظيم للدنيا واحتباس عن الانتفاع بها إلى آخر الفصل إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها في قلبه من القدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها أو مستلزم لذلك فإن الزهد لا يدل على هذا التعظيم ولا يستلزمه وإن كان من عوارض غلبات الطبع التي تذم مساكنتها وانحجاب القلب بها بل زهده فيها دليل على خروج عظمها من قلبه ومبالاته بها وترك الاهتبال بشأنها فكيف يكون هذا نقصا بوجه بل النقص في الزهد يكون من أحد وجوه
أولها أن يزهد فيما ينفعه منها ويكون قوة له على سيره ومعونة له على سفره فهذا نقص فإن حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك والورع أن تتجنب ما قد يضرك فهذا الفرق بين الأمرين
الثاني أن يكون زهده مشوبا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأذية بها وبأهلها وتعب قلبه بشغله بها ونحو هذا من المزهدات فيها كما قيل لبعضهم ما الذي أوجب زهدك في الدنيا قال قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها فهذا زهد ناقص فلو صفت للزاهد تلك العوارض لم يزهد فيها بخلاف من كان زهده فيها لامتلاء قلبه من الآخرة ورغبته في الله وقربه فهذا لا نقص في زهده ولا علة من جهة كونه زهدا
الثالث أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضا فالزهد كله أن تزهد في رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل