فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 617

بغير اختياره بل بفعل الله ولا ريب أن تأثير الأفعال الاختيارية التي يحبها الله ويرضاها في محو الذنوب أعظم من تأثير المصائب التي تناله بغير اختياره

ولنرجع الآن إلى المقصود وهو ما ذكره أبو العباس بن الصائف في علل المقامات فقد ذكرنا كلامه في علة مقام الإرادة وذكرنا أن الكلام على ذلك من وجوه هذا آخر الوجه الثاني منها

الوجه الثالث أن يقال قوله الزهد تعظيم للدنيا واحتباس عن الانتفاع بها إلى آخر الفصل إن أراد به أن زهده دليل على تعظيم الدنيا وأن لها في قلبه من القدر والمنزلة ما يكره لأجله نفسه على تركها أو مستلزم لذلك فإن الزهد لا يدل على هذا التعظيم ولا يستلزمه وإن كان من عوارض غلبات الطبع التي تذم مساكنتها وانحجاب القلب بها بل زهده فيها دليل على خروج عظمها من قلبه ومبالاته بها وترك الاهتبال بشأنها فكيف يكون هذا نقصا بوجه بل النقص في الزهد يكون من أحد وجوه

أولها أن يزهد فيما ينفعه منها ويكون قوة له على سيره ومعونة له على سفره فهذا نقص فإن حقيقة الزهد هي أن تزهد فيما لا ينفعك والورع أن تتجنب ما قد يضرك فهذا الفرق بين الأمرين

الثاني أن يكون زهده مشوبا إما بنوع عجز أو ملالة وسآمة وتأذية بها وبأهلها وتعب قلبه بشغله بها ونحو هذا من المزهدات فيها كما قيل لبعضهم ما الذي أوجب زهدك في الدنيا قال قلة وفائها وكثرة جفائها وخسة شركائها فهذا زهد ناقص فلو صفت للزاهد تلك العوارض لم يزهد فيها بخلاف من كان زهده فيها لامتلاء قلبه من الآخرة ورغبته في الله وقربه فهذا لا نقص في زهده ولا علة من جهة كونه زهدا

الثالث أن يشهد زهده ويلحظه ولا يفنى عنه بما زهد لأجله فهذا نقص أيضا فالزهد كله أن تزهد في رؤية زهدك وتغيب عنه برؤية الفضل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت