فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 617

بذلك فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها وتثبت قدمه في مقامه والله الموفق لمن يشاء

النوع الثاني الزهد في نفسك وهو أصعب الأقسام وأشقها وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه فإن الزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته وقبح ثمرته وحماية لدينه وصيانة لإيمانه وإيثارا للذة والنعيم على العذاب وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة وحمية من أن يستأثر لعدوه ويسهل عليه الزهد في المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم ويسهل عليه زهده في الدنيا معرفته بما وراءها وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى وأما الزهد في النفس فهو ذبحها بغير سكين وهو نوعان أحدهما وسيلة وبداية وهو أن تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيء فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها قد سبلت عرضها ليوم فقرها وفاقتها فهي أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذمت بل هي عندك أخس مما قيل فيها أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك وإن كان صعبا عليها وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها ولا حياة لها بدون هذا البتة وهذه العقبة هي آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين ويننحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة ويخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق فيا قرة عينها به ويا نعيمها وسرورها بقربه ويا بهجتها بالخلاص من عدوها واللجوء إلى مولاها ومالك أمرها ومتولي مصالحها وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب فيا مفلس تأخر والنوع الثاني غاية وكمال وهو أن يبذلها للمحبوب جملة بحيث لا يستبقي منها شيئا بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة محبوبه به فهل يجد من قلبه رغبة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت