فهرس الكتاب
بذلك فهذه الأمور الثلاثة تسهل على العبد الزهد فيها وتثبت قدمه في مقامه والله الموفق لمن يشاء
النوع الثاني الزهد في نفسك وهو أصعب الأقسام وأشقها وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه فإن الزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته وقبح ثمرته وحماية لدينه وصيانة لإيمانه وإيثارا للذة والنعيم على العذاب وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة وحمية من أن يستأثر لعدوه ويسهل عليه الزهد في المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم والنعيم المقيم ويسهل عليه زهده في الدنيا معرفته بما وراءها وما يطلبه من العوض التام والمطلب الأعلى وأما الزهد في النفس فهو ذبحها بغير سكين وهو نوعان أحدهما وسيلة وبداية وهو أن تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيء فلا تغضب لها ولا ترضى لها ولا تنتصر لها ولا تنتقم لها قد سبلت عرضها ليوم فقرها وفاقتها فهي أهون عليك من أن تنتصر لها أو تنتقم لها أو تجيبها إذا دعتك أو تكرمها إذا عصتك أو تغضب لها إذا ذمت بل هي عندك أخس مما قيل فيها أو ترفهها عما فيه حظك وفلاحك وإن كان صعبا عليها وهذا وإن كان ذبحا لها وإماتة عن طباعها وأخلاقها فهو عين حياتها وصحتها ولا حياة لها بدون هذا البتة وهذه العقبة هي آخر عقبة يشرف منها على منازل المقربين ويننحدر منها إلى وادي البقاء ويشرب من عين الحياة ويخلص روحه من سجون المحن والبلاء وأسر الشهوات وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق فيا قرة عينها به ويا نعيمها وسرورها بقربه ويا بهجتها بالخلاص من عدوها واللجوء إلى مولاها ومالك أمرها ومتولي مصالحها وهذا الزهد هو أول نقدة من مهر الحب فيا مفلس تأخر والنوع الثاني غاية وكمال وهو أن يبذلها للمحبوب جملة بحيث لا يستبقي منها شيئا بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله قد تعلقت رغبة محبوبه به فهل يجد من قلبه رغبة في