فهرس الكتاب
إمساك ذلك القدر وحبسه عن محبوبه فهكذا زهد المحب الصادق في نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه فهو يبذلها له دائما بتعرض منه لقبولها وجميع مراتب الزهد المتقدمة مباد ووسائل لهذه المرتبة ولكن لا يصح إلا بتلك المراتب فمن رام الوصول إلى هذه المرتبة بدون ما قبلها فمتعن متمن كمن رام الصعود إلى أعلى المنارة بلا سلم قال بعض السلف إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول فمن ضيع الأصول حرم الوصول وإذا عرف هذا فكيف يدعي أن الزهد من منازل العوام وأنه نقص في طريق الخاصة وهل الكمال إلا في الزهد وما النقص إلا في نقصانه والله الموفق للصواب فصل المثال الرابع التوكل قال أبو العباس هو للعوام أيضا لأنه وكل أمرك إلى مولاك والتجاؤك إلى علمه ومعرفته لتدبير أمرك وكفاية همك وهذا في طريق الخواص عمى عن الكفاية به ورجوع إلى الأسباب لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل فصار بدلا عن تلك الأسباب فإنك معلق بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال وحقيقة التوكل عند القوم التوكل في تخليص القلب من علة التوكل وهو أن يعلم أن الله لم يترك أمرا مهملا بل فرغ من الأشياء وقدرها وإن اختلف منها شيء في المعقول أو تشوش في المحسوس أو اضطراب في المعهود فهو المدبر له وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت والمتوكل من أراح نفسه من كل النظر في مطالعة السبب سكونا إلى ما سبق من القسمة مع استواء الحالين عنده وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع والتوكل لا يمنع ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا فإذا خلص من رق هذه الأسباب ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله كفاه الله كل