فهرس الكتاب
لا يكون أبدا وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان فصاحب الحق لعلمه بالحق ولثقته بأن الله ولي الحق وناصره مضطر إلى توكله علىالله لا يجد بدا من توكله فإن التوكل يجمع أصلين علم القلب وعمله أما علمه فيقينه بكفايةوكيله وكمال قيامه بما وكله إليه وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك وأما عمله فسكونه إلى وكيله وطمأنينته إليه وتفويضه وتسليمه أمره إليه وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه فبهذين الأصلين يتحقق التوكل وهما جماعه وإن كان التوكل دخل في عمل القلب من عمله كما قال الإمام أحمد التوكل عمل القلب ولكن لا بد فيه من العلم وهو إما شرط فيه وإما جزاء من ماهيته والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته ووثوقه بأن الله وليه وناصره وسكونه إليه فما له أن لا يتوكل على ربه وإذا كان على الباطل علما وعملا أو إحداهما لم يكن مطمئنا واثقا بربه فإنه لا ضمان له عليه ولا عهد له عنده فإن الله لا يتولى الباطل ولا ينصره ولا ينسب إليه بوجه فهو منقطع النسب إليه بالكلية فإنه سبحانه هو الموفق وقوله الحق ودينه الحق ووعده حق ولقاؤه حق وفعله حق ليس في أفعاله شيء باطل بل أفعاله سبحانه بريئة من الباطل كما أقواله كذلك فلما كان الباطل لا يتعلق به بل هو مقطوع البتة كان صاحبه كذلك ومن لم يكن له تعلق بالله العظيم وكان منقطعا عن ربه لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله فتدبر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى وارتباط أحدهما بالآخر ولو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية لكانت حقيقة أن تودع في خزانة القلب لشدة الحاجة إليها والله السمتعان عليه وعليه التكلان فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ولجميع أعمال الإسلام وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل والله أعلم