فهرس الكتاب

الصفحة 384 من 617

الوجه الثاني أن قوله في التوكل إنه في طريق الخواص عمى عن الكفاية ورجوع إلى الأسباب إلخ مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب والإعراض عنها جملة والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب فكأنه قد رفض سببا وتعلق بسبب وقد ناقض في أمره ولهذا قال فصار بدلا عن تلك الأسباب وكأنك تعلقت بما رفضته فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكل عنده من منازل العوام وهذه هي غير مسألة الجمع بين التوكل والسبب بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل فيقال قولك إنه عمى عن الكفاية ليس كذلك بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته وسببها المقتضي لها هو التوكل كما قال الله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافيه فجعل التوكل سببا للكفاية فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها فكيف يقال إن التوكل عمى عن الكفاية وهل التوكل إلا محض العبودية التي جزاؤها الكفاية وهي لا تحصل بدونه بل العلة ههنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذي أجرى عليك هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية فأول الأمر وآخره منه فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعا ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره عن السبب والقيام به بل الواجب القيام بالأمرين معا

الوجه الثالث أن قوله إنه رجوع إلى الأسباب إن أراد به أنه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك وظاهر أن الأمر ليس كذلك وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه ورتب عليه جزاء لا يحصل بدونه فهذا حق ولكن القيام بهذا السبب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت