فهرس الكتاب
الوجه الثاني أن قوله في التوكل إنه في طريق الخواص عمى عن الكفاية ورجوع إلى الأسباب إلخ مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب والإعراض عنها جملة والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب فكأنه قد رفض سببا وتعلق بسبب وقد ناقض في أمره ولهذا قال فصار بدلا عن تلك الأسباب وكأنك تعلقت بما رفضته فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكل عنده من منازل العوام وهذه هي غير مسألة الجمع بين التوكل والسبب بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل فيقال قولك إنه عمى عن الكفاية ليس كذلك بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته وسببها المقتضي لها هو التوكل كما قال الله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه أي كافيه فجعل التوكل سببا للكفاية فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها فكيف يقال إن التوكل عمى عن الكفاية وهل التوكل إلا محض العبودية التي جزاؤها الكفاية وهي لا تحصل بدونه بل العلة ههنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذي أجرى عليك هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية فأول الأمر وآخره منه فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعا ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب قطع نظره عن السبب والقيام به بل الواجب القيام بالأمرين معا
الوجه الثالث أن قوله إنه رجوع إلى الأسباب إن أراد به أنه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل فليس كذلك وظاهر أن الأمر ليس كذلك وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه ورتب عليه جزاء لا يحصل بدونه فهذا حق ولكن القيام بهذا السبب