فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 617

إلا محض العبودية وعين الكمال وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا في ترك الصبر وفي التسخط والشكوى

الوجه السابع قوله فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى في تحامل الأذى بالبلوى والاستبشار باختيار المولى فيقال الذي يمكن الخروج عنه هو الشكوى وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ به فهذا غير ممكن ولا هو في الطبيعة وإنما الممكن أن يشاهد العبد في تضاعيف البلاء لطف صنع الله به وحسن اختياره له وبره به في حمله عنه مؤنة حمله وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك وفوق هذا مرتبة أرفع منه وهي أن يشهد أن هذا مراد محبوبه وأنه بمرأى منه ومسمع وأنه هديته إلى عبده وخلعته التي خلعها عليه ليرفل له في أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هي موافقة المحبوب في محابه فيحب ما يحبه محبوبه فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشري فإن هذه الكراهة لا تنافي محبته لها كما يكره طبعه الداء الكريه وهو يحبه من وجه آخر وهذا لا ينكر في المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها كما قال القائل في ذلك

أهوى هواه وبعدي عنه يعجبه ... فالبعد قد صار لي في حبه أربا

وقال الآخر

وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم

وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه فإذا شهد مراد محبوبه أحبه وإن كان كريها إليه فهذا لا ينكر ولا ينافي التألم بمراد المحبوب المنافي للمحب وصبره عليه بل يجتمع في حقه الأمران وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت