فهرس الكتاب
إلا محض العبودية وعين الكمال وهل الجرأة والمناوأة والمنازعة إلا في ترك الصبر وفي التسخط والشكوى
الوجه السابع قوله فإن حامله يرجع إلى كتمان الشكوى في تحامل الأذى بالبلوى والاستبشار باختيار المولى فيقال الذي يمكن الخروج عنه هو الشكوى وأما أن يخرج عن ذوق البلوى فلا يجده أو يتلذذ به فهذا غير ممكن ولا هو في الطبيعة وإنما الممكن أن يشاهد العبد في تضاعيف البلاء لطف صنع الله به وحسن اختياره له وبره به في حمله عنه مؤنة حمله وتشتغل النفس باستخراج لطائف صنع الله به وبره وحسن اختياره عن شهود حمله فيحصل له لذة بما شهده من ذلك وفوق هذا مرتبة أرفع منه وهي أن يشهد أن هذا مراد محبوبه وأنه بمرأى منه ومسمع وأنه هديته إلى عبده وخلعته التي خلعها عليه ليرفل له في أذيال التذلل والمسكنة والتضرع لعزته وجلاله فيعلم العبد أن حقيقة المحبة هي موافقة المحبوب في محابه فيحب ما يحبه محبوبه فيحب العبد تلك الحال من حيث موافقته لمحبوبه وإن كرهها من حيث الطبع البشري فإن هذه الكراهة لا تنافي محبته لها كما يكره طبعه الداء الكريه وهو يحبه من وجه آخر وهذا لا ينكر في المحبة المتعلقة بالمخلوق مع ضعفها وضعف أسبابها كما قال القائل في ذلك
أهوى هواه وبعدي عنه يعجبه ... فالبعد قد صار لي في حبه أربا
وقال الآخر
وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم
وإنه لتبلغ المحبة بالعبد إلى حيث يفنى بمراد محبوبه عن مراده هو منه فإذا شهد مراد محبوبه أحبه وإن كان كريها إليه فهذا لا ينكر ولا ينافي التألم بمراد المحبوب المنافي للمحب وصبره عليه بل يجتمع في حقه الأمران وتقوى هذه المحبة باستبشاره وعلمه بعاقبة تلك البلوى