فهرس الكتاب
الوجه الحادي عشر أن الخوف إنما زال في الجنة لأن تعلقه إنما هو بالأفعال لا بالذات كما تقدم وقد أمنهم ما كانوا يخافون منه فقد أمنوا أن لا يفعلوا ما يخافون منه وأن يفعل بهم ربهم ما يخيفهم ولكن كان الخوف في الدنيا أنفع لهم فبه وصلوا إلى الأمن التام فإن الله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده مخافتين اثنتين فمن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة ومن أمنه في الدنيا ولم يخفه أخافه في الآخرة وناهيك شرفا وفضلا بمقام ثمرته الأمن الدائم المطلق
الوجه الثاني عشر أن الإجلال والمهابة والتعظيم إنما لم تزل لأنها متعلقة بنفس الذات وهي موجودة في دار النعيم وأما الخوف فإنه إنما زال لأنه وسيلة إلى توفية العبودية والقيام بالأمر والوسيلة تزول عند حصول الغاية ولكن زوال الوسيلة عند حصول الغاية لا يدل على انها ناقصة وإذا كانت تلك الغاية لا كمال للعبد بدونها فالوسيلة إليها كذلك
الوجه الثالث عشر قوله وهذه المعارضة والهيبة تعارض المكاشف أوقات المناجاة وتصون المشاهد أحيان المشاهدة وتعصم المعاني بصدمة العزة فيقال لا ريب أن الحب والأنس المجرد عن التعظيم والإجلال يبسط النفس ويحملها على بعض الدعاوي والرعونات والأماني الباطلة وإساءة الأدب والجناية على حق المحبة فإذا قارن المحبة مهابة المحبوب وإجلاله وتعظيمه وشهود عز جلاله وعظيم سلطانه انكسرت نفسه له وذلت لعظمته واستكانت لعزته وتصاغرت لجلاله وصفت من رعونات النفس وحماقاتها ودعاويها الباطلة وأمانيها الكاذبة ولهذا في الحديث يقول الله عز و جل أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي فقال أين المتحابون بجلالي فهو حب بجلاله وتعظيمه ومهابته