فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 617

الرابض ولولا مكانه لدخلت وبالجملة فقلب المحب دائما في سفر لا ينقضي نحو محبوبه كلما قطع مرحلة له ومنزلة تبدت له أخرى كما قيل إذا قطعت علما بدا علم فهو مسافر بين أهله وظاعن وهو في داره وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته ويرى كل أحد عنده ولا يرى نفسه عند أحد فقوة تعلق المحب بمحبوبه توجب له أن لا يستقر قلبه دون الوصول إليه وكلما هدأت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شؤون قلبه بله قوى سيره إلى محبوبه

ومحك هذا الحال يظهر في مواطن أربعة

أحدها عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل واجتماع قلبه على ما يحبه فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به

الموطن الثاني عند انتباهه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه فإنه إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم ولكن كان قد خالط روحه وقلبه فلما ردت إليه الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلا بها مصاحبا لها فورد عليه قبل كل وارد وهجم عليه قبل كل طارق فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتلىء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما في قلبه من الحب فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراما وهو الحب اللازم الذي لا يفارق فسمع بمحبوبه وأبصر به وبطش به ومشى به فصار محل سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها هذا مثل محبوبه في وجوده وهو غير متحد به بل هو قائم بذاته مباين له وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب أو قليل العلم ضعيف العقل يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت