فهرس الكتاب
الرابض ولولا مكانه لدخلت وبالجملة فقلب المحب دائما في سفر لا ينقضي نحو محبوبه كلما قطع مرحلة له ومنزلة تبدت له أخرى كما قيل إذا قطعت علما بدا علم فهو مسافر بين أهله وظاعن وهو في داره وغريب وهو بين إخوانه وعشيرته ويرى كل أحد عنده ولا يرى نفسه عند أحد فقوة تعلق المحب بمحبوبه توجب له أن لا يستقر قلبه دون الوصول إليه وكلما هدأت حركاته وقلت شواغله اجتمعت عليه شؤون قلبه بله قوى سيره إلى محبوبه
ومحك هذا الحال يظهر في مواطن أربعة
أحدها عند أخذ مضجعه وتفرغ حواسه وجوارحه من الشواغل واجتماع قلبه على ما يحبه فإنه لا ينام إلا على ذكر من يحبه وشغل قلبه به
الموطن الثاني عند انتباهه من النوم فأول شيء يسبق إلى قلبه ذكر محبوبه فإنه إذا استيقظ وردت إليه روحه رد معها إليه ذكر محبوبه الذي كان قد غاب عنه في النوم ولكن كان قد خالط روحه وقلبه فلما ردت إليه الروح أسرع من الطرف رد إليه ذكر محبوبه متصلا بها مصاحبا لها فورد عليه قبل كل وارد وهجم عليه قبل كل طارق فإذا وردت عليه الشواغل والقواطع وردت على محل ممتلىء بمحبة ما يحبه فوردت على ساحته من ظاهرها فإذا قضى وطره منها قضاه بمصاحبته لما في قلبه من الحب فإنه قد لزمه ملازمة الغريم لغريمه ولذلك يسمى غراما وهو الحب اللازم الذي لا يفارق فسمع بمحبوبه وأبصر به وبطش به ومشى به فصار محل سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها هذا مثل محبوبه في وجوده وهو غير متحد به بل هو قائم بذاته مباين له وهذا المعنى مفهوم بين الناس لا ينكره منهم إلا غليظ الحجاب أو قليل العلم ضعيف العقل يجد محبوبه قد استولى على قلبه وذكره فيظن أنه هو نفس ذاته الخارجة قد اتحدت به أو حلت