فهرس الكتاب
فالأمثل من نوابه في الأرض ودعاته ولا ريب أن الكفر يتفاوت فكفر أغلظ من كفر كما أن الإيمان يتفاوت فإيمان أفضل من أيمان فكما أن المؤمنين ليسوا في درجة واحدة بل هم درجات عند الله فكذلك الكفار ليسوا في طبقة واحدة ودرك واحد بل النار دركات كما أن الجنة درجات ولا يظلم الله من خلقه أحدا وهو الغني الحميد فصل
وغلظ الكفر الموجب العذاب يكون من ثلاثة أوجه
أحدها من حيث العقيدة الكافرة في نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له فلم يؤمن بالله وملائكته ولا كتبه ولا رسله ولا اليوم الآخر ولهذا لا يقر أرباب هذا الكفر بالجزية عند كثير من العلماء ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم اتفاقا لتغلظ كفرهم وهؤلاء هم المعطلة والدهرية وكثير من الفلاسفة وأهل الوحدة القائلين بأنه لا وجود للرب سبحانه وتعالى غير وجود هذا العالم
الجهة الثانية تغلظه بالعناد والضلال عمدا على بصيرة ككفر من شهد قلبه أن الرسول حق لما رآه من آيات صدقه وكفر عنادا وبغيا كقوم ثمود وقوم فرعون واليهود الذين عرفوا الرسول كما عرفوا أبناءهم وكفر أبي مجهل وأمية بن أبي الصلت وأمثال هؤلاء
الجهة الثالثة السعي في إطفاء نور الله وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرتهم فهؤلاء أشد الكفار عذابا بحسب تغلظ كفرهم ومنهم من يجتمع في حقه الجهات الثلاث ومنهم من يكون فيه جهتان منها أو واحدة فليس عذاب هؤلاء كعذاب من هو دونهم في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله والمؤمنون من أذاه في سلامة لا ينالهم منه أذى ولم يتغلظ كفره كتغلظ هؤلاء بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر وإن شارك أولئك في كفرهم بالرسول فقد زادوا عليه أنواعا من الكفر وهل يستوي في النار عذاب أبي طالب وأبي لهب وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف وأضرابهم والمقصود