فقال:"انطلق بنا"، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلًا1 من دقيق وكُبة2 من شحم، فقال:"احمله عليّ"، فقلت: أنا أحمله عنك، فقال:"أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك!"، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها:"ذُرّي عليّ، وأنا أحرّك لك"، وجعل ينفخ تحت القدر ثم أنزلها، فقال:"ابغني شيئًا"، فأتته بصحفة فأفرغها فيها، فجعل يقول لها:"أطعميهم، وأنا أسطّح3 لهم".
فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول:"جزاك الله خيرًا كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين"، فيقُولُ:"قولي خيرًا، وإذا جئت أمير المؤمنين وجدتيني هناك إن شاء الله". ثم تنحى ناحية عنها ثم استقبلها فربض مربضًا، فقلت: ألك شأن غير هذا؟ فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدءوا، فقال:"يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت"4. / [43 / أ] .
1 العدل: نصف الحِمْل. (القاموس ص 1332) .
2 الكبّ: الشيء المجتمع من تراب وغيره. (لسان العرب 1/696) .
3 أسطّح لك: أي: أبْسطه حتى يبرد. (لسان العرب 2/448) .
4 أحمد: فضائل الصحابة 1/290، الطبري: التاريخ 4/205، كلاهما من طريق عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري ذكره ابن حبان في الثقات، وكان مالك إذا ذكره قال:"المبارك"، قال أبو حاتم:"هو شيخ"، وقال الخطيب:"كان محمودًا في ولايته جميل السيرة مع جلالة قدره وعظم شرف". وضعّفه ابن معين. (الجرح5/178، والثقات 7/56، تاريخ بغداد 10/173، الميزان 2/505) .
وربيعة بن عثمان الهدير، له أوهام. (التقريب ص 207) .