والنبي لا يعرفه بوجهه، فسلم ثم قال: يا نبي الله! بلغني أني ذكرت عندك، فقلت: إنه كذلك لولا أنه تاركٌ لشيءٍ من السنة، أذيب نفسي بالليل والنهار، واعتزالي من الناس، وإنما طلبت سنة الله -عز وجل-. قال: أنت فلانٌ؟ قال: نعم، فقال: أما والله ما هو شيءٌ أحدثته في الإسلام، ولكنك لم تتزوج، قال له العابد: وليس إلا هذا؟! قال: نعم، فلما رأى النبي استهانته، قال: إنه لو فعل الناس مثل الذي فعلت، من كان ينفي العدو عن المسلمين! من كان يأخذ للمظلوم من الظالم! قال: وذكر الصلاة للعابد، فقال له العابد: صدقت يا نبي الله! ما أحرمه، ولكن أكره أن أتزوج امرأةً مسلمةً وأنا فقيرٌ، فأعضلها وليس عندي ما أنفق عليها، وأما الأغنياء فلا يزوجوني، فقال له النبي: وما بك إلا هذا! قال: ما بي إلا هذا. قال: أنا أزوجك ابنتي، قال: قد فعلت، قال: فزوجه. قال: فولدت له غلامًا.
قال ابن عباس: فوالله ما ولد في بني إسرائيل مولودٌ ذكرٌ قط كانوا أشد فرحًا به من ذلك الغلام، قال: قالوا: ابن نبينا وابن عابدنا، إنا لنرجو أن يبلغ بنا ما بلغ رجلٌ، قال: فلما بلغ الغلام انقطع إلى عبادة الأوثان، وانقطعوا إليه، وكثروا عنده، قال: فبينا هم عنده يومًا؛ إذ قال: إني أراكم كثيرًا، فما بال هؤلاء القوم قاهرين لكم؟! قالوا: إن لهم رأسًا يجمعهم، وليس لنا رأسٌ، قال: فما يمنعكم إلا هذا؟ قالوا: نعم، قال: فأنا رأسكم، قالوا: وتفعل؟! قال: نعم، قال: فخرج وخرجوا معه، قال: فبلغ ذلك النبي وبلغ أباه، فاجتمع بنو إسرائيل إلى النبي وأبيه، فأرسل إليه يذكره بالله، وأن يرجع إلى الإسلام، فأبى، فخرج إليه النبي، وخرج أبوه