التشبيه (فن واسع من فنون الكلام يدل على خصب الخيال وسموّه وسعته وعمقه) [1] ، وهو فن أصيل عند العرب، جرى في كلامهم، وتناولته أشعارهم، وانبنت عليه خطبهم، ولو قيل انه اكثر كلامهم لم يبعد [2] . وقد عده بعضهم (من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها) [3] ، فهو (لون من ألوان التعبير الممتاز الأنيق، تعمد إليه النفوس بالفطرة حين تسوقها الدواعي إليه) [4] .
وللتشبيه تعريفات كثيرة وردت في كتب البلاغيين القدامى، إلا ان كل هذه التعريفات تدور في جوهرها حول مضمون واحد، وهو ان التشبيه هو عقد مقارنة بين طرفيين، مشبه ومشبه به، لعلاقة تجمع بينهما [5] . فنحن حين نعمد إلى تشبيه شيء بشيء إنما نعقد بينهما نوعا من المقارنة في الظاهر، وهي مقارنة لا تهدف إلى تفضيل أحد الشيئين، وانما ترمي إلى وصف أحدهما بما اتصف به الآخر [6] .
وقد اختلف العلماء في مسألة عدّ التشبيه من المجاز، فمنهم من قال بمجازيته، ومنهم من نفى عنه ذلك. فمن الذين قالوا بمجازية التشبيه ابن رشيق القيرواني، الذي تحدث عنه في معرض حديثه عن المجاز فقال: (والمجاز في كثير من الكلام ابلغ من الحقيقة، واحسن موقعا في القلوب، لاحتماله التأويل فصار التشبيه،
(1) _ علم البيان 103.
(2) _ ينظر الكامل للمبرد 3/ 818.
(3) _ الإتقان في علوم القران للسيوطي 2/ 42.
(4) _ فن التشبيه علي الجندي 1/ 43.
(5) _ ينظر كتاب الحيوان للجاحظ 4/ 373،والنكت في إعجاز القران 74، والصناعتين 261 ـ 263.
(6) _ التعبير البياني 18.