الصفحة 118 من 160

وقد جاء هذا النوع من التشبيه كثيرا في نهج البلاغة، من ذلك قول الامام (عليه السلام) من كلام له في وصف الدنيا قال: (( ألا وهي المتصدية العنون، والجامحة الحرون، والمائنة الخؤون ... ) ) [1] .

يلمس في النص دلالة على ضرورة الابتعاد عن بهارج الدنيا وزخرفها وملذاتها الزائلة، حيث يرسم الامام (عليه السلام) صورة وافية لحقيقة هذه الحياة الدنيا من خلال التشبيهات التي ساقها بصورة متتالية، فخرج النص يحمل دلالة موحية مؤثرة في نفس المتلقي، ففي قوله (عليه السلام) (ألا وهي المتصدية العنون) يشبه الدنيا بالمرأة الفاجرة التي تعرض نفسها على الرجال تريد الفاحشة فما زالت تتزين لساكنيها، وتمنيهم وترغبهم بملذاتها، حتى إذا تعلقوا بها نسوا ذكر الآخرة وكانوا من الخاسرين، أما قوله (والجامحة الحرون) فشبهها بالدابة ذات الجماح، وهي التي لا يستطاع ركوبها لانها تعثر بصاحبها فترميه في المهالك. أما قوله (عليه السلام) : (والمائنة الخؤون) فشبهها بالمرأة الكاذبة الخائنة، فلا يؤمن غدرها ولا تؤمن خيانتها.

ومن كلام له (عليه السلام) يحث فيه أصحابه على الجهاد في ساحة الحرب قال: (( ان الموت طالب حثيث، لا يفوته المقيم ولا يعجزه الهارب ) ) [2] .

شبه الامام (عليه السلام) الموت بالطالب الحثيث نحو الشيء، المسرع في نيله، فلا يمكن لأي إنسان ان يهرب من الموت إذا جاء اجله. وقد كان للتشبيه البليغ الدور المهم في النهوض بهذه الصورة بجعل طرفيها كأنهما شيء واحد.

وقال الإمام (عليه السلام) من كلام له يصف فيه التقوى: (( ... لم تبرح عارضة نفسها على الأمم الماضين منكم، والغابرين، لحاجتهم إليها غدا ) ) [3] .

(1) _ شرح نهج البلاغة 13/ 116.

(2) _ نفسه: 7/ 300 ... .

(3) شرح نهج البلاغة: 13/ 115.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت