وقد بين عبد القاهر الجرجاني أهمية الاستعارة وقيمتها الدلالية في التعبير الكلامي، وذلك بقوله: (ومن الفضيلة الجامعة فيها انها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا، وتوجب له بعد الفضل فضلا، وانك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكررة في مواضع، ولها في كل واحد من تلك المواضع شان مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، ومن خصائصها التي تذكر بها وهي عنوان مناقبها، انها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ ... فانك لترى بها الجماد حيا ناطقا، والأعجم فصيحا، والأجسام الخرس مبينة، والمعاني الخفيّة بادية جليّة ... ان شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل كأنها قد جسمت حتى رأتها العيون) [1] ، فالتعبير الاستعاري في نظر عبد القاهر هو من الأشياء التي تزيد الأسلوب جمالا ورونقا، والأفكار وضوحا ورفعة.
والاستعارة عنصر من العناصر المهمة في بناء الصورة التي تصدر عن خيال خصب، ولا غرو فان هذه الصلة الوثيقة بين الخيال والاستعارة [2] ، جعلت من الصورة الاستعارية ذات دلالة إيحائية تسمو على دلالة صور التشبيهات، فالاستعارة ـ وهي نوع من التشبيه ويصدق عليها ما يصدق عليه من جهة البلاغة، فهي تشبيه حذف أحد طرفيه والأداة ـ تعني إلغاء لمحدودية الصور التشبيهية، وتجاوزا لتلك الفواصل بين الأشياء على أساس التفاعل والاندماج، إذ تحمل السامع على تخيل صورة جديدة تنسيك روعتها ما تظمنه الكلام من تشبيه خفي مستور [3] .
(1) _ أسرار البلاغة: 41.
(2) _ ينظر الخيال مفهوماته ووظائفه: 282.
(3) _ ينظر الصور البيانية: 368.