الصفحة 122 من 160

فالاستعارة إذن أعلى مقاما من التشبيه لما يحصل فيها من تفاعل وتداخل بين الدلالات على نحو لا يحدث بنفس الثراء في التشبيه، بحيث توحي للمتلقي ان طرفي الصورة الاستعارية اتحدا حتى اصبح المستعار له كأنه المستعار منه نفسه [1] ، فهي الأداة الرئيسة التي ترتبط بواسطتها الأشياء المتغايرة وغير المرتبطة، فـ (تجعل الشيء غيره، والتشبيه يحكم عليه بانه كغيره) [2] ، إذ انها (أقوى إيحاءً من التشبيه لما تتضمنه من سعة الدلالة وقوة التصوير) [3] .

وقد كانت الاستعارة من ابرز الصور المجازية، واكثرها دورانا في نهج البلاغة، وقد كان للمشتقات الحظ الأوفر في استعارات الامام، من ذلك قوله (عليه السلام) من كلام عن الدنيا قال: (( .. صادفتموها جائلا خطامها، قلقا وضينها، قد صار حرامها عند أقوام بمنزلة السدر المخضود، وحلالها بعيد غير موجود ) ) [4] .

هذه استعارة لطيفة، ذات بعد ذهني عميق، إذ جعل الإمام الدنيا كالدابة، فجعلها جائلة الخطام، قلقة الوضين، حيث ذكّر أصحابه بانهم صادفوها وقد صعبت على من يليها ولاية حق كما تستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام، لا يمكن لراكبها السيطرة على زمامها، قلقة الوضين، لا يثبت هودجها تحت راكبها، فما يلبث حتى يهوي من على ظهرها، فتلقيه في المهالك.

وقال الامام (عليه السلام) في صورة أخرى: (( ولقد نزلت بكم البلية جائلا خطامها، رخوا بطانها ) ) [5] .

(1) _ ينظر الأسس النفسية لأساليب البلاغة: 283.

(2) _ الشفاء ـ الخطابة: 212.

(3) _ النقد الأدبي الحديث محمد غنيمي هلال: 458.

(4) _ شرح نهج البلاغة: 7/ 117 ... .

(5) _ شرح نهج البلاغة: 6/ 387.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت