ومن صور التشخيص الاستعاري قول الإمام (عليه السلام) في وصف الدنيا: (( وحري إذا أصبحت الدنيا له [الإنسان] منتصرة، ان تمسي له متنكرة ) ) [1] .
في هذا النص تظهر كلمة (الدنيا) وقد بثت فيها الحياة، واتصفت بالصفات الإنسانية، حيث تظهر بصفة الشخص الذي يقدم العون والنصرة للإنسان وذلك بقوله (عليه السلام) : (أصبحت له منتصرة) . أما قوله (تمسي له متنكرة) ، فتظهر بصفة الشخص الذي يسعى بالخراب والدمار.
والذي يريد الامام قوله ان هذه الدنيا وان انتصرت للإنسان في فترة من فترات حياته، فأعطته المال والجاه وغيرها من النعم، فإنها لابد ان يأتي وقت عليها فتظهر له وجهها الحقيقي، فتجرعه من آلام المرض وفقد الأحبة، وفي النهاية تسلبه كل ما أعطته، فيخرج منها كما دخل إليها أول مرة.
وقال الامام (عليه السلام) في وصف الدنيا أيضا: (( فاحذروا الدنيا، فإنها غدّارة غرّارة، معطية منوع، ملبسة نزوع ) ) [2] .
يظهر التشخيص الاستعاري في هذا النص وقد خلع على الصورة طابع الحيوية، حتى بدت متصفة بصفات إنسانية مختلفة، كالغدر والخداع، والإعطاء والمنع. ويلمح من النص الدعوة إلى ضرورة الابتعاد عن الدنيا وملذاتها، والاقتصار على ما ينفع الإنسان في آخرته.
ولو القينا نظرة فاحصة على استعارات الامام (عليه السلام) وجدناه يستعمل الألفاظ الموضوعة للأمور المحسوسة في الدلالة على الأمور المعنوية ـ وهذا هو
(1) _شرح نهج البلاغة: 7/ 226.
(2) _ نفسه: 13/ 5.